لعبت منظمات الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل الوحدات العسكرية في زاخو دورًا حاسمًا في نقل المعلومات حول تحركات الجيش إلى الملا صالح حاجي بلقيس، رئيس اللجنة الإقليمية للحزب في زاخو، الذي بدوره نقل المعلومات الاستخباراتية إلى عيسى سوار، قائد قوات البيشمركة في المنطقة. منذ مارس/آذار 1962، سيطرت قوات البيشمركة على العديد من المواقع الحكومية الأمامية، وتمركزت في قريتي توركا وقلمة في منطقتي جيلي زاخو وسليفانا. في صباح الأول من أبريل/نيسان 1962، تلقى عيسى سوار رسالة عاجلة من اللجنة الإقليمية في زاخو تُعلمه بأن فوجًا عسكريًا في شيخان، بقيادة العقيد ماجد صبا الأبوسي، في طريقه ليحل محل فوج باتيفا. في وقت سابق، كان فوج باتيفا قد غادر إلى قاعدة فايدا العسكرية، وبحلول الساعة الثامنة صباحًا، وصل موكبهم إلى جيلي زاخو. سبق أن قدم هذه المعلومات الحيوية خورشيد سليم شير، عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني في الكتيبة الثانية من اللواء الثالث، الذي أبلغ الملا علي رشاد حجاني، ما ضمن وصول المعلومات الاستخباراتية إلى القائد عيسى سوار. فور تلقيه الخبر، عقد عيسى سوار اجتماعًا مع عدد من قادة البيشمركة في قرية حسن آفا لوضع خطة استراتيجية لمهاجمة الكتيبة الثانية من اللواء الثالث. خلال الاجتماع، قُسّمت قوات البيشمركة إلى ست مجموعات، لكل منها دور محدد في المعركة. تمركزت المجموعة الأولى، بقيادة عيسى سوار مع حراسه وكبار قادة البيشمركة، أسفل زاخو بالقرب من قرية حسن آفا. أما المجموعة الثانية، المتمركزة غرب جيلي زاخو، فكانت مؤلفة من هاشم ميروزي، وياسين رشي ميروزي، وأحمد محمود شرانشي، وعلي رشو، وفرحان علي، وعارف درويش. ضمت المجموعة الثالثة، المتمركزة شرق جيلي زاخو قرب قاعدة صحريج بوكا، القائد علي هالو، وسلمان خورشيد، وسعيد هالو، وسعيد خليل، وآخرين. أما المجموعة الرابعة، المكلفة بتشتيت انتباه نقطة تفتيش كالفرين العسكرية، فتألفت من الشيخ مصطفى حاجي محمود، ومحمد خالد، ونعمان محمد، وشعبان سعيد، وجانغير سيفو. وضمت المجموعة الخامسة، المتمركزة شرق زاخو، سليمان لاشي مزوري بالا، وعارف سليمان دوسكي، وعلي علي سيف الدين، والشيخ صادق عبد الله، وأمين عثماني، وآخرين. أما المجموعة الأخيرة، بقيادة ياسين محيي ديزوي وعبد الرحمن محمد عبد من قوات البيشمركة، فقد كُلفت بمهاجمة نقطة تفتيش كوخين-توركزا العسكرية والاستيلاء عليها. ركزت خطة المعركة على الالتزام الصارم بالتعليمات، حيث أُمر علي هالو بإطلاق الطلقة الأولى إيذاناً ببدء الهجوم. بالإضافة إلى ذلك، تم تحذير قوات البيشمركة بضرورة حماية أنفسهم من طائرات العدو ومنع أول مركبتين من القافلة - اللتين تقلان قائد الفوج ومعدات الاتصالات - من الفرار. كان هذا الإجراء حاسماً لمنع القوات العراقية من الاتصال بدهوك لطلب التعزيزات، الأمر الذي كان من شأنه أن يعرض العملية للخطر.
بعد التنظيم الذاتي والتحضير الدقيق، وُضعت خطة المواجهة على شكل كمين مُحكم التخطيط. وبأسلوب استراتيجي وسري للغاية، تموهت قوات البيشمركة بأوراق الأشجار وتمركزت سرًا على طول مواقع الكمين. ومن بين التحركات التكتيكية الأولية التي نفذتها البيشمركة قطع خطوط الهاتف بين زاخو والموصل، ما أدى إلى عزل المنطقة وقطع الاتصالات مع التعزيزات المحتملة. وفي صباح الأول من أبريل/نيسان عام 1962، عندما وصل موكب الفوج، المؤلف من 35 مركبة، من بينها خمس دبابات وخمس سيارات جيب للضباط وشاحنتان صغيرتان تحملان حراس قائد الفوج ومعدات الاتصالات، إلى نهاية الوادي، شنت البيشمركة هجومها. وتعرض الموكب لنيران كثيفة من كلا الجانبين، ما أسفر عن خسائر فادحة في صفوف الضباط والجنود. من بين الخسائر، أُصيب قائد الفوج، العقيد محمد يحيى، بينما قُتل مساعده، الملازم نسيم تركماني. تمكنت قوات البيشمركة من أسر ستة ضباط و173 جنديًا، واتخذتهم رهائن، بينما أُصيب 53 ضابطًا وجنديًا آخر خلال الاشتباكات. علاوة على ذلك، استولت البيشمركة على جميع أسلحة الفوج وذخائره ومركباته العسكرية ومعداته، موجهةً ضربة قوية لقوات العدو. مع ذلك، تكبدت البيشمركة أيضًا خسائر في المعركة، من بينها استشهاد ياسين ميروزي، وصبري عبدي، وقادر إسماعيل حسن. كما أُصيب آخرون، مثل محمد يوسف جرافي، وإسماعيل هاجر، وفيضي عثمان، وسليمان آسو، إلى جانب العديد من المقاتلين الشجعان الذين جُرحوا خلال المواجهة.
أثارت المعارك ردود فعل واسعة النطاق في الأوساط العسكرية والسياسية والوطنية، لدرجة أن رئيس أركان الجيش العراقي، اللواء أحمد صالح عبدي، تردد في إبلاغ عبد الكريم قاسم بالهزيمة. ويُقال إنه انتظر عشر دقائق قبل أن يُخبره بالخبر. وفي بغداد، انتشرت شائعات مفادها أن رئيس الأركان طلب من أحد الضباط وضع التقرير سرًا على مكتب الرئيس، مما يعكس الإحراج الشديد الذي سببته هذه الهزيمة المخزية، والتي تردد صداها على نطاق واسع في جميع أنحاء العراق. وانتشر بين الشعب العراقي سخرية واسعة من دعاية عبد الكريم قاسم، لا سيما تصريحاته السابقة التي زعم فيها القضاء على "البلطجية والعقبات". وقد أبرزت هذه الحادثة حقيقة فشل حكومته في تحييد الحركة الكردية. وفي الوقت نفسه، بدأ الجيش العراقي يُدرك أن الصراع في كردستان قد دخل مرحلة جديدة أكثر خطورة، وأن تفكيك الحركة الكردية لن يكون بالسهولة المتوقعة.
أدركت القوى السياسية العراقية، بدورها، تداعيات الحرب الدائرة في كردستان، مُقرّةً بأن استمرارها سيُلحق مزيدًا من الضرر بالعراق ويُفاقم مشاكل البلاد. إلا أن هذا الإدراك لم يشمل حزب البعث والقوميين العرب، الذين ظل موقفهم من القضية الكردية ثابتًا. فقد عزا هؤلاء استمرار التمرد الكردي إلى ما اعتبروه تساهلًا من جانب عبد الكريم قاسم وعدم استخدامه القوة الكافية ضد الأكراد. وزعمت هذه الفصائل أن بالإمكان قمع الحركة الكردية والقضاء عليها من خلال تكثيف القصف، ونشر قوة ساحقة، وتصعيد العنف. وردًا على هذه النكسة، ضاعفت الحكومة من جهودها بنشر قوات إضافية في كردستان، مُصعّدةً عملياتها العسكرية. وفي الوقت نفسه، شنت حملة وحشية من عمليات الطرد والاعتقال استهدفت المدنيين ومن يُزعم تأييدهم للثورة الكردية، لا سيما في مدينة زاخو. ونُفذت هذه الاعتقالات بشكل تعسفي، غالبًا دون أي دليل يُثبت التهم، مما زاد من حدة قمع الحكومة.
مصدر:
١- عبدالفتاح علي البوتاني، منطقة بادينان ١٩٢٥ – ١٩٧٠، ج٢، مطبعة جامعة صلاح الدين، اربيل، ٢٠١٧.
٢- محەمەد ساڵح پێندڕۆيي (جگەر سۆز)، ژيان وخباتى شەهیدى فەرماندە عەبدوڕەحیم جەسیم بارزانى، بێ شوێنى چاپ، ٢٠٢٠.
٣- روژين چلبى منير، زاخۆ ١٤ى تیرمەها ١٩٥٨- ٦ى ئادار ١٩٧٥، سەنتەرێ زاخۆ بۆ ڤەکۆلینێن كوردى، زاخۆ، ٢٠١٨.
4- شكيب عقراوی، سنوات المحنة في كردستان. لأنها أهم السياسية والعسكرية في كردستان والعراق من 1958 – 1980، طبعة الثقافة، اربيل، 2007.



