في أواخر تشرين الأول 1974 احتلت قوات الجيش العراقي جبلي زوزك وسرتيز، وأحكمت سيطرتها على الربايا والمواقع في تلك المرتفعات، وبحسب إشارة قادر حسن سيتكاني، أحد بيشمركة ثورة أيلول والمشاركين في معركة هسنان، فإنه حتى قبل أيام قليلة من معركة هسنان كانت إحدى قمتي جبل سرتيز بيد البيشمركة، وبسبب ذلك لم تكن الحكومة قادرة على التقدم أكثر نحو ممر بيشه وجبل حسن بك، ولكن عندما انسحبت قوات البيشمركة من تلك القمة، أصبح الجيش العراقي أكثر حرية في تنفيذ خطة احتلال ممر بيشه وقمة جبل حسن بك، فبالسيطرة على هذين الموقعين كانت ستصبح سلطته نافذة على كامل المنطقة وستكون مواقعهم في جبل سرتيز محمية، وبعد أن انسحبت قوات البيشمركة إلى ممر بيشه في شرق جبل سرتيز، بدأت الحكومة بتحريك هجماتها مجدداً، وأقامت قوات البيشمركة مواقعها في محيط قرية هسنان عند سفح جبل حسن بك لصد تقدمات الجيش العراقي، وكان ممر بيشه يضم القاعدة الرئيسية لقوات البيشمركة التي كان يشرف عليها القائد العسكري حاجي بيروخي قائد الكتيبة، وفي ذلك المكان أيضاً كانت توجد مقبرة، حيث كان يدفن معظم البيشمركة الذين كانوا يستشهدون في معارك المنطقة ومحيطها، ولذلك أطلقوا عليها اسم مقبرة الشهداء.
وفيما يتعلق بكيفية وقوع معركة هسنان، حدثنا علي فيضي سيتكاني، أحد بيشمركة ثورتي أيلول وكولان والمشارك في المعركة، قائلاً: كنا فصيلاً من البيشمركة مقرنا في ممر بيشه بقيادة حسن آغا برزيوئي، ولكننا اتخذنا مواقعنا في قرية هسنان لأداء مهام البيشمركة والتصدي لتقدمات الجيش العراقي، وعندما سقط جبل سرتيز بالكامل بيد قوات الحكومة، رأينا أن تحركات قواتهم وفتح الطريق للدبابات والمدرعات في ممر سروت كانت مثيرة للشك، وكانت تفوح منها رائحة هجوم على مواقع البيشمركة، لكسر تلك المواقع والوصول إلى نقطتي ممر بيشه وقمة جبل حسن بك، فقامت قوات البيشمركة بإنشاء مواقعها عند سفح الجبل لصد تقدماتهم وإفشال خططهم، وفي بداية الليل وبناءً على خطة عسكرية لجمع المعلومات عن تحركات الجيش، أرسلنا مفرزة من خمسة بيشمركة إلى أمام المواقع بالقرب من قرية ناو روين عند سفح حسن بك، وبعد فترة عادت مفرزتنا دون أن يلحظوا أي خروج أو تقدم للجيش.
وتابع المذكور في سرد القصة قائلاً: كنا نحن أيضاً نستريح في جزء من منازل القرية، بينما كان الجزء الآخر منا في مهمة أسفل القرية، وكنا نتناوب الحراسة فيما بيننا، وقبيل فجر 13 آذار 1975 أخبرنا أحد البيشمركة الحراس بأن الحكومة قد شنت هجوماً، فنهضنا نحن الذين كنا في المواقع والآخرون أيضاً، وتوزعنا على المكان وبدأنا بتحصين المواقع والتصدي لهجوم وتقدم عساكر الجيش، ورغم أن ظلام الليل كان قد خيم تماماً على الأرض، إلا أننا شعرنا بأن قوة كبيرة من الجيش العراقي كانت مشغولة بحفر الخنادق أسفل مواقعنا، وكان صوت الفؤوس والمساحي والمجارف يُسمع، لكننا كنا غافلين عن أن قوة التقدم العسكري للجيش قد اقتربت كثيراً من مواقعنا، أما مواقع البيشمركة التي كانت قد أقيمت فقد احتمت بجانب الصخور والأشجار بسبب البرد القارس، ولم ينتبهوا إلا لأولئك العساكر الذين كانوا مشغولين بحفر الخنادق بهدف التمترس، لأن الذين تقدموا كانوا قد اقتربوا بهدوء شديد من مواقع البيشمركة فلم يشعروا بهم.
وفي استكمال حديثه قال المذكور: بعد أن توزعنا على عدة مواقع، استطعنا بصخور كبيرة بناء ملجأ للمواجهة، ولم يمض وقت طويل حتى صرخ أحد البيشمركة فجأة وقال: (أطلقوا النار عليهم، فداكم نفسي، لا تدعوهم ينجون)، ويبدو أنه في تلك اللحظة أدرك أن العساكر كانوا قريبين جداً، حيث كان هناك نتوء صخري احتمى به البيشمركة من جهة، بينما كان العساكر يتربصون من الجهة الأخرى، ومع ارتفاع صوت البيشمركة بدأ إطلاق النار من كل جانب واحتدمت المعركة، وكان اتجاه فوهات بنادقنا نحو أولئك العساكر الذين كانوا مشغولين بالأسفل بحفر الخنادق، ومع رشقات نيران البيشمركة ارتفعت صرخاتهم وأنينهم، وكان يبدو أنهم أصيبوا برصاصنا، لكننا رأينا مجموعة أخرى من العساكر قد اقتربت لدرجة أنه كاد أن يصبح قتالاً بالأيدي، ويبدو أنه مع بداية رشقات النيران استشهد البيشمركة الذين كانوا قد اتخذوا مواقعهم خلف النتوء الصخري.
وهكذا استمرت المعركة حتى طلوع النهار، كسرنا هجوم الحكومة وفروا نحو الأسفل، وفي خضم تلك المعركة فقدنا اثنين من البيشمركة، ثم بدأ الجيش العراقي بقصف مواقع البيشمركة بالمدافع، حتى أنه لم يستثنِ قواته من القصف، ورغم أننا كسرنا هجمات وتقدمات الحكومة، إلا أنه تبين لنا أن قوة الحكومة لا حصر لها، وأن بقاءنا في المكان سيتسبب بخسائر أكبر، لذا قمنا بانسحاب قواتنا إلى ممر بيشه.
كما أكد قادر حسن سيتكاني قائلاً: رغم أننا استطعنا إفشال هجوم الحكومة وطردهم نحو الأسفل، ولم تكن لديهم الجرأة للهجوم مرة أخرى، ولكن عندما أضاء الأفق تماماً رأينا أن تقدم الدبابات والمدرعات لا يزال يقترب ووصلوا إلى سفوح أراضي قرية هسنان، وفي الوقت نفسه كان قد تساقط ثلج كثير، وكان البرد القارس قد أنهكنا، وكان من الصعب جداً الصمود أمام القصف وتقدم الدبابات والبرد القارس، لذا قمنا بانسحاب قواتنا.
وذكر المذكور في سياق روايته: مع اقتراب قوات الجيش العراقي من مضيق بيشة، حيث واجهتهم قوات البيشمركة بقيادة حاجي بيروخي من المرتفعات المطلة على المضيق لمدة قاربت الساعتين، وكانوا يترصدون كل عسكري يقترب من مقبرة شهداء الثورة بسلاح البرنو، فقتلوا في تلك الفترة القصيرة عشرات العسكريين وألحقوا بهم خسائر فادحة، وبالرغم من ذلك كانت تظهر بين الحين والآخر طائرات مروحية حربية في سماء المنطقة وتقصف خنادق البيشمركة، ورأينا إحدى المروحيات أصيبت بسلاح الدوشكا وأسقطت، ثم انسحبت قوات البيشمركة بسبب قصف الطائرات والقصف المدفعي وتقدم الدبابات والمدرعات من مضيق بيشة وصعدت إلى مرتفعات سفوح جبل حسن بك.
المصادر:١- مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكردية، المجلد الثالث، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، أربيل ٢٠٠٤.
٢- مقابلة مع قادر حسن سيتكاني، بيشمركة ثورة أيلول، من سكان سوران حي نهري. ٢٧ آذار ٢٠٢٦.
٣- مقابلة مع علي فيضي سيتكاني، بيشمركة ثورتي أيلول وكولان، سوران قرية سيتكان. ١٥ آذار ٢٠٢٦.
٤- غازي عادل كردي، بيشمركة في خدمة بارزاني ... حاجي بيروخي، المجلد الأول، الطبعة الثانية، ٢٠٢٠.





