إن نهاية النظام الملكي في عام 1958 ومجيء نظام سياسي جديد في العراق جلب معه مجموعة من التوقعات الكبيرة لجميع قوميات ومكونات العراق. كان الجميع يتطلع إلى أن يقوم النظام الجمهوري بإحداث تغيير في الفكر السياسي في العراق وأن يؤدي إلى الانفتاح وقبول التعددية في البلد. وفي الواقع، فإن جزءاً من هذه التوقعات قد تحقق بعد 14 تموز 1958 ولو بشكل مؤقت، وفي هذا السياق وكجزء من الانفتاح، تهيأت الأرضية لعودة بارزاني ورفاقه من الاتحاد السوفيتي إلى كوردستان.

بعد سنوات من الغربة، في تاريخ 6 تشرين الأول 1958 مصطفى بارزاني عاد من الاتحاد السوفيتي إلى كوردستان. ولأن هذه العودة تمت بالتنسيق مع حكومة العراق آنذاك، فقد خلقت توقعات كبيرة لدى الكوردستانيين بشأن بدء حقبة مختلفة مليئة بالسلام والاستقرار في العراق وكوردستان. وعلى العكس من ذلك، لم يدم أفق هذه التوقعات طويلاً، واتخذت الحكومة، والشوفينيون بشكل خاص، توجهاً مضاداً وعدائياً إلى درجة أنهم حاولوا اغتيال بارزاني. بذل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة بارزاني كل جهده للحفاظ على فرصة السلام هذه، بل وأبدى مرونة كبيرة في هذا السبيل، لكن بدا أن قرار الحكومة كان شيئاً آخر.

بارزاني و الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقعا بين خيارين مصيريين، وهما إما التنازل عن نيل الحقوق القومية المشروعة أو استئناف النضال والتضحية، وفي النهاية تم رفض الخيار الأول دون أي تردد واختير الخيار الثاني كطريق مضطر إليه، وفي 11 ايلول 1961 اندلعت ثورة ايلول و''أصبحت منطقة واسعة من زاخو حتى خانقين ميداناً للحرب بين الكورد والحكومة العراقية... بحيث أصبحت الحدود بين بلدي العراق وسوريا في الجبهة الغربية حتى حدود العراق وتركيا في الجبهة الشمالية وحدود العراق وإيران في الشرق وجزء من نهر دجلة وجبل حمرين وشنكال في غرب مدينة الموصل تحت تأثير أحداث الثورة. وأخيراً بسبب استمرار الحركة التحررية الكوردية من تشرين الأول 1965 فصاعداً، تم تحرير حوالي 35000 كم2 من مساحة تلك المناطق من قبل الثوار الكورد'' وكانت تدار بشكل ذاتي.

الثورة في جوهرها هي رفض لسلطة محددة ومؤسساتها التنفيذية، لكن أعمال ثورة منظمة لا تنتهي هنا لأن عدم التفكير في بديل للمؤسسات المرفوضة يؤدي إلى انهيار هيكل إدارة البلد وحدوث الفوضى. ثورة ايلول كـثورة منظمة فكرت منذ البداية في ملء فراغ المؤسسات في حدود المناطق المحررة. في هذا السبيل ''كان أحد برامج مصطفى بارزاني هو تنظيم ومأسسة مؤسسات الثورة، ولكن بسبب بعض الأسباب الداخلية والخارجية تأخر ذلك البرنامج لبعض الوقت''. في تاريخ 28-29 ايلول 1964 عقد مؤتمر تحضيري لتشكيل مجلس قيادة الثورة في مدينة قلادزي برئاسة مصطفى بارزاني وبحضور 350 شخصية سياسية وعسكرية واجتماعية من جميع أنحاء كوردستان، وبعد قراءة الوضع وإجراء التحضيرات اللازمة، تم تشكيل مجلس قيادة الثورة في تاريخ 4 تشرين الأول 1964، وبهذه الطريقة أصبح هذا المجلس أعلى سلطة تشريعية في كوردستان.

تألف مجلس قيادة الثورة من حوالي خمسة وستين عضواً كانوا يمثلون الحزب ومختلف شرائح وطبقات المجتمع وكان يعمل كشكل من أشكال المؤسسة التشريعية، على النحو التالي:

  • أعضاء اللجنة المركزية لـ الحزب الديمقراطي الكوردستاني
  • قادة جيش ثورة كوردستان
  • عضوان من قيادة الحزب الشيوعي العراقي
  • عالمان دينيان
  • قس مسيحي
  • العديد من الشخصيات البارزة من مختلف مناطق كوردستان

لتوزيع المهام وتحسين سير أعماله، شكل مجلس قيادة الثورة خمس لجان خاصة وهي:

  • اللجنة العسكرية بهدف تنظيم الشؤون العسكرية وقوات پیشمرگة.
  • اللجنة المالية بهدف تنظيم شؤون الجمارك والضرائب والمالية،
  • اللجنة الإدارية بهدف إدارة المناطق المحررة.
  • اللجنة القضائية بهدف تنظيم الشؤون القضائية وإدارة المحاكم.
  • لجنة الدستور بهدف صياغة النظام الداخلي وبرنامج مجلس قيادة الثورة.

في 17 تشرين الأول أنهت اللجان أعمالها وفي اجتماع صادق أعضاء المجلس على دستور مجلس قيادة الثورة وفي نهاية الاجتماع مصطفى بارزاني انتخب رئيساً للمجلس. ولأن الإدارة العصرية والمؤسساتية إلى جانب المؤسسة التشريعية تحتاج إلى مؤسسة أخرى للتنفيذ، اختار مجلس قيادة ثورة ايلول من بين أعضائه لجنة أخرى لهذا الغرض كانت تسمى اللجنة التنفيذية. كانت هذه اللجنة تعمل كحكومة ومؤسسة تنفيذية في البلد.

         كان المكتب التنفيذي أعلى سلطة تنفيذية في البلد وتألف من 12 عضواً. تألف هذا المكتب بحد ذاته من ثمانية مكاتب وأقسام مختلفة وهي: المكتب السياسي، المكتب العسكري، مكتب العدل، المكتب المالي، مكتب الشؤون الخارجية، المكتب الاقتصادي، قسم الأمن والتفتيش وقسم أساليب الإعلام.

         استمر مجلس قيادة الثورة في أعماله وفقاً للظروف والمراحل المختلفة والتطورات التي حدثت في تلك الفترة حتى 11 آذار 1970. في الواقع، لا توجد وثيقة أو بيان رسمي متاح يشير رسمياً إلى انتهاء أعمال مجلس قيادة الثورة، ولكن مع ظهور ذلك الوضع الجديد الذي نشأ بعد اتفاقية 11 آذار، دخل الوضع حقبة جديدة وكان يحتاج إلى إعادة تنظيم أخرى، لذلك لم يعد لهذا المجلس تأثير يذكر.

         استطاع مجلس قيادة الثورة خلال سنوات عمره تلك أن يؤدي دوراً مهماً وفعالاً في المجالات والقطاعات التي كان يعمل عليها، وتظهر بصماته بوضوح في مجالات التنظيم الإداري والمالي، والصحة، والتربية والتعليم، والزراعة، والقضاء، وشؤون البيشمركة، والشؤون الاجتماعية. وفي تلك الفترة وفي ظل هذا المجلس، اتخذت ثورة ايلول شكلاً مؤسساتياً ومنهجياً وملأت فراغ المؤسسة التشريعية.

المصادر: