في عام 1974 تراجعت حكومة العراق عن اتفاقية 11 آذار 1970، وعادت الحرب والدمار لتطارد الكرد في جميع مناطق الثورة مرة أخرى، ولأن الناس كانوا يتوقون إلى السلام والحياة الهانئة، فقد كانوا قلقين للغاية من هذا الموقف الحكومي ووقفوا ضده بشدة، لذلك ومع استئناف الحرب، واجهت الجماهير بكافة طبقاتها وشرائحها هجمات الحكومة، كما انضم نضال القلم بقوة إلى نضال السلاح، وتوجه طلاب جامعة السليمانية والأساتذة والمثقفون والشعب الثائر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الثورة ورفضوا حكم البعث، ودمجت جامعة السليمانية النضال العلمي بالنضال المسلح، أي تم رفع رايتي العلم والثورة معاً ليثبتوا للعالم أن الحرب والدمار عائق كبير أمام تقدم الكرد، وأن الظلم والاستبداد قد غطى كافة مفاصل حياة شعب كوردستان بما في ذلك العلم والمعرفة.  

لطالما كانت أنظمة العراق المتعاقبة عائقاً فولاذياً أمام تقدم الكرد، وقد جربوا كل الطرق لإيقاف قافلة النضال والثورة والتقدم والقضاء عليها في نهاية المطاف، ولهذا السبب في صباح يوم 24 نيسان 1974 في الساعة 9:45 دقيقة، قصفت عدة طائرات حربية مدينة قلعة دزة بقنابل النابالم المحرمة دولياً، وصبوا أحقادهم وغضبهم على الجامعة والعلم والمدنيين في تلك المدينة، حيث استهدفوا مركز الجامعة بشكل مكثف وعرضوا هذه المدينة لكارثة لا مكان لها في أي معيار أخلاقي أو وجداني أو إنساني، وفي لمح البصر استشهد 123 شخصاً من النساء والأطفال والشيوخ والشباب والطلاب والأساتذة والعمال والفلاحين، مع إصابة أكثر من 400 شخص.

كانت هذه أكبر ملحمة مأساوية حدثت واختلطت بكافة ملاحم النضال والكفاح الأخرى لـ ثورة ايلول الكردية، وكانت هدية مليئة بالعار من الاتحاد السوفيتي وحكومة البعث الحليفة للكرد، والتي وُصفت في صحيفة لوموند في 10 حزيران 1974 بأنها أكثر الكوارث رعباً. 

دُفن شهداء هذه الكارثة التاريخية في مقبرة مدينة قلعة دزة، وسُميت المقبرة باسم مقبرة شهداء قصف قلعة دزة، وعلى الرغم من أن هذه الكارثة المفجعة كانت مصدر عار لمرتكبيها، إلا أنها من ناحية أخرى هزت وجدان كل الكرد والكوردستانيين وأصبحت درساً حياً في أعماق كل محب للحرية، حيث يتم إحياء ذكراها كل عام، وفي انتفاضات أعوام 1982 و1983 و1987، عُرف ذكرى قصف قلعة دزة كيوم تاريخي، وارتفعت أصوات الاحتجاج في كافة مدن كوردستان من قبل شرائح الجماهير ضد نظام البعث. ويحيي سكان مدينة قلعة دزة سنوياً ذكرى هذه الكارثة التاريخية بالمسيرات ويشجبون مرتكبيها.

المصادر:

1- خوشوي علي كانيلنجي، مذكرات عزيز قازي حمد سورجي، مطبعة دانشفر، أربيل، 2023.

2- مسعود بارزاني، البارزاني والحركة التحررية الكردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، ثورة ايلول 1961-1975، ط: الأولى 2004.

3- آري كريم، بضع صفحات حية من ثورة ايلول، مطبعة خبات، دهوك 1999.

4- إسماعيل كونده زوري، ثورة ايلول في باليكايتي، مطبعة روج هلات، الطبعة الأولى، 2018.

5- إبراهيم جلال، جنوب كوردستان و ثورة ايلول التأسيس والانهيار 1961- 1975، الطبعة الرابعة، 2021.