للسيطرة على ذلك الجبل، أجرى بارزاني قائد الثورة مشاورات ومباحثات مع قادة البيشمركة الرئيس بكر والمقدم عزيز أكرئي وحاجي بيروخي ومحمود كاواني وشاكر بك أوغزبك زرني ورحمان شيخ وساني مع ميركه آغا خيلاني، لوضع خطة الهجوم على الربايا (المخافر) الموجودة على الجبل. وبما أن هذا الجبل كان نقطة مهمة على خريطة كوردستان حيث كان يطل على سهل أربيل وكان موقعاً استراتيجياً يربط مناطق أربيل وخوشناو وسوران وبالكايتي ببعضها البعض، كما كان بوابة علاقة لمناطق بشدر وبيت وين والسليمانية، لذا كانت الحكومة تحاول دائماً السيطرة على المنطقة، حيث كانت تعتقد أنه إذا فقدت جبل سفين فسيصبح تهديداً وخطراً كبيراً على منطقة بالكايتي التي كانت مركز قيادة الثورة.
كانت قوات البيشمركة لتنفيذ الهجوم وتطبيق خطة السيطرة على جبل سفين تضع عدة نقاط مهمة نصب أعينها للهجوم عليها، مثل ربايا كاني شيلانه حتى كاني كويز، ومع بدء الهجوم على الربايا في الساعة 5 من فجر 23 آب 1962، استطاعت قوات البيشمركة في وقت قصير جداً السيطرة على كاني شيلانه وكاني كويز وبانه نوك وقرية خوران، كما استطاعوا إلحاق خسائر فادحة بالجيش العراقي تمثلت في مقتل 52 عسكرياً حيث تركت جثث معظمهم في ميدان المعركة ووقعت تحت أيدي البيشمركة، وفي الأيام التالية حاولوا استعادة جثث قتلاهم عن طريق الشخصيات ورجال الدين في المنطقة.
في معركة جبل سفين هذه التي كانت أول ملحمة للبيشمركة في بداية ثورة أيلول، استشهد ثلاثة من البيشمركة وأصيب ثلاثة آخرون.
بعد السيطرة على جبل سفين، بدأت مفارز البيشمركة في محيط الجبل بالتحرك والتجوال لضرب ضربات أخرى للحكومة العراقية وتنفيذ عمليات بيشمركة أخرى والسيطرة على قواعد ومخافر الجيش والشرطة والمسلحين المرتزقة (الجاش)، وبعد الحصول على موافقة قيادة الثورة، استهدفت قوات البيشمركة السيطرة على مركز شرطة كومسبان وحاصرت القلعة من جميع الجهات، ومن الواضح أن القادة كانوا يرغبون منذ البداية في أن تنتهي المعركة دون إراقة دماء وألا تلحق خسائر بشرية بأي طرف، وأن يقوم أولئك الشرطة الذين احتموا في الداخل بتسليم أنفسهم لقوات البيشمركة، ولهذا كلفوا مختار القرية بزيارة مركز الشرطة والتحدث معهم بهذا الشأن.
لكن الوضع استمر عدة أيام، بسبب استمرار الحصار لثلاثة أيام حيث كانوا ينتظرون أن يسلموا أنفسهم، وبدا أن الشرطة بقيادة العريف فيضي قد قرروا المقاومة وعدم الاستسلام، ومع ذلك كانوا على علاقة مع رؤسائهم لكي يأتوا لنجدتهم، ولهذا حاول الجيش العراقي خلال تلك الفترة مرتين الهجوم على المنطقة لكسر الحصار عن القلعة وإنقاذ الشرطة، لكن محاولاتهم كانت بلا جدوى ولم تنجح لأن هجومهم كان يصد ويحطم في كل مرة من قبل قوات البيشمركة، حيث كانت البيشمركة قد تعهدت بأن ذلك المركز للشرطة يجب أن يسيطر عليه بأي ثمن.
حاول الجيش العراقي للمرة الثالثة أيضاً وأراد اتباع خطة مخادعة بأن يلتفوا من خلف قوات البيشمركة ومن هناك يصلوا إلى مركز الشرطة ويكسروا الحصار، لكن قوات البيشمركة استطاعت بحذر شديد إحباط تلك الحيلة والتكتيك هذه المرة للجيش العراقي وأطلقوا النار عليهم من خلفهم وأفشلوا خطتهم وطردوهم من المنطقة.
وكما كان واضحاً، كان وضع الشرطة يزداد اضطراباً، وفي اليوم الثالث عندما يئسوا من نجدة الجيش العراقي، أرادوا هذه المرة الهروب والاستفادة من ظلام الليل، لكن البيشمركة أدركت ذلك أيضاً فاقتربوا أكثر من القلعة وشددوا الحصار، ومع حلول ظلام الليل فتح الشرطة باب القلعة واصطفوا وأرادوا الخروج من القلعة والهروب، وفي تلك اللحظة أمطرهم البيشمركة بوابل من الرصاص، ومع إصابة أحد الشرطة، رفع الآخرون جميعاً أيديهم وسلموا أنفسهم، ثم سيطر البيشمركة على القلعة ودخلوا مركز الشرطة وسيطروا على كافة الأسلحة والذخيرة وجميع تلك المعدات التي كانت موجودة في المركز.
في معركة السيطرة على قلعة مركز شرطة كومسبان هذه، شارك هؤلاء القادة العسكريون وهم رشيد بيشوني وفكري بيروخي وكذلك المسؤولون أحمد مستي كانيلنجي وملا أمين هوستاني.
وهكذا وقعت كل منطقة خوشناو تحت سلطة الثورة، وتلك التنظيمات والأعمال التي نفذت في بادينان وبرادوست وبالكايتي من حيث التنظيم والتحزب وتأسيس قواعد ومقرات البيشمركة جرت هناك بنفس الطريقة، وكلف بارزاني لإدارة شؤون الثورة والمنطقة مسؤولية خوشناو إلى بكر عبد الكريم وعين محمود كاواني كمساعد له، ومن هنا أصبحت خوشناو إحدى قلاع الثورة الحصينة بفضل موقف سكان المنطقة، على مستوى الثورية والعطاء والإخلاص ومساعدتهم، لكن عمر شخصية المنطقة والقائد الشجاع للبيشمركة محمود كاواني لم يدم طويلاً حيث تعرض لقصف الطائرات وأصيب بجروح بليغة وبعد عدة أيام من نقله إلى مستشفى الثورة في بيتواته ودع الثورة والوطن في 1 أيلول عام 1962 بسبب شدة الجرح.
المصادر:1- مسعود بارزاني، بارزاني وحركة التحرر الكردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، ثورة أيلول 1961-1975، الطبعة الأولى 2004.
2- خورشيد شيره، النضال والدم، مذكرات سنوات نضال البيشمركة، الطبعة الثالثة، أربيل، 2015.
3- غازي عادل كردي، بيشمركة في خدمة نهج بارزاني حاجي بيروخي، المجلد الأول الطبعة الثانية، تركيا، 2021.
4- آري كريم، عدة صفحات حية من ثورة أيلول، مطبعة خبات، دهوك 1999.
5- شوكت ملا اسماعيل حسن، أيام من تاريخ ثورة أيلول، الطبعة الأولى، أربيل، 2007.





