في عهد ثورة جولان، كانت قوات البيشمركة منظمة في إطار التنظيم الحزبي كفروع ومناطق ومنظمات (كردي، ٢٠٢١، ٢٦٩). في تشرين الثاني من عام ١٩٨٦ قامت قوة من بيشمركة تابعة للجنة منطقة زاخو للحزب الديمقراطي الكوردستاني بجولة في منطقة كوليا للقيام ببعض الأعمال التنظيمية وتعزيز صفوف الأعضاء ومؤيدي الثورة. في تلك الجولة زاروا قرى باروهلي وبليجاني وكوركا، وفور وصولهم إلى المنطقة، عقدوا اجتماعاً، وفي ذلك الاجتماع تقرر أن يتم تنفيذ نشاط حزبي في تلك الجولة نفسها وأن تهاجم البيشمركة قوات جيش نظام البعث، ومن ناحية أخرى أن ينتشر صدى الثورة في المنطقة وداخل دوائر الحكومة بشكل أكبر، وفي الاجتماع تقرر تكليف شخص خبير لتحديد مكان مناسب لتنفيذ النشاط فيه، ولهذا الغرض تم تكليف سعدو كوركي وعدد من البيشمركة لتنفيذ هذا النشاط المهم (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٧).

 انتهى الاجتماع، وقامت مجموعة البيشمركة المكلفة بتحديد مكان النشاط بتنفيذ عملهم، وفي تلك الليلة المظلمة توجهوا نحو قرية كري بيي ووصلوا إلى الطريق العام لجبل برانشي، وكانوا يعتقدون أنه مكان مناسب جداً، كونه على الطريق العام، وتمر عليه باستمرار سيارات عسكرية للجيش العراقي، فإذا نصبوا كميناً يمكنهم توجيه ضربة لهم وإلحاق الضرر بهم، وبعد تحديد المكان، عادوا إلى قوتهم وأبلغوهم بكافة المعلومات، وبعد مناقشة المكان المحدد، تمت الموافقة عليه بالإجماع من قبل مسؤولي البيشمركة، لأن سعدو كوركي كان خبيراً وكانوا يعتقدون أنه سيكون نشاطاً ناجحاً ومثمراً، ثم اجتمعوا حول كيفية وضع الخطة ونصب الكمين وتنفيذ الهجوم (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٧).

 تكونت قوة الثورة من ٧٥ بيشمركة، ورسموا خطة المعركة بحيث كان من الضروري تثبيت قوة دفاعية ومواجهة من عدة محاور، لصد تلك القوات الحكومية إذا كان لديها نية الهجوم على موقع الحادث، وكذلك لكي لا تتعرض قوة البيشمركة التي تنصب الكمين لأي مشكلة أو مواجهة. ولتنفيذ تلك الخطة، تم تحديد قوة تقوم بمراقبة رباية (مخفر) قمة برانشي ورباية أخرى تسمى سياركا سبي من فوق الطريق العام، لكي تقوم تلك القوة بصد أي تحرك لتلك الربايتين ولا يسمحوا لهم بمضايقة موقع الكمين، ومحور آخر كان عبارة عن قوة تسبق مكان نصب الكمين، إذا جاءت سيارة لقوات الحكومة، يقومون هم أولاً بإطلاق النار عليها وعندما يصلون إلى مكان الكمين يربكونهم، ومحور آخر كان عبارة عن تشكيل مجموعة من البيشمركة أمام رباية أسفل برانشي، لكي لا يسمحوا للجنود بالخروج من الرباية وإطلاق النار باتجاه موقع الكمين عندما تبدأ المعركة، والمحور الثالث تم تخصيص قوة أخرى من البيشمركة مقابل مقر سرية عسكرية في المنطقة التي كانت تقع شرق قرية كري بيي، لكي لا يتمكنوا هم أيضاً من الخروج من الرباية، لئلا يضغطوا على موقع نصب الكمين، وبهذه الطريقة جرت خطة المعركة (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٨).

 توجهت قوات البيشمركة في مساء ١٤ من تشرين الثاني ١٩٧٦ نحو قرية كانياتا، واستقبلهم أهالي القرية بحفاوة، وتوزع البيشمركة على المنازل لتناول طعام العشاء وكان الأمر في ذلك الوقت يجري هكذا، لأن طعام البيشمركة كان على عاتق أهالي القرى وكان أهالي قرى كوردستان يساعدون البيشمركة بكل الطرق.

بقي البيشمركة في القرية حتى الساعة ٢:١٥ دقيقة من الليل، ثم ذهبوا إلى قرية شيفي واجتمعوا على (كانيا آفا تيكا)، ثم توجهت كل مجموعة وفصيل نحو نقطتها المحددة، كما اتفقوا عليه في الخطة، وكل مجموعة وفصيل عند وصولهم إلى مكانهم، بدأوا بالاستعداد وتحصين موقعهم، وبقوا في انتظار قدوم السيارة العسكرية، حتى أضاء الأفق، وطلعت الشمس، وكان كل بيشمركة قد حصن نفسه في موقعه المحدد. في الساعة ٨:٣٠ دقيقة من صباح ١٥ من تشرين الثاني ١٩٨٦ جاءت سيارة عسكرية من نوع جيب قيادة من لواء باتيفا ووصلت إلى كمين البيشمركة، وفجأة بدأت المعركة من المحاور الأربعة، وفي وقت قصير تم تدمير السيارة والاستيلاء عليها، وكان بداخلها ضابط وعسكريان قتلوا جميعاً واشتعلت النيران في السيارة (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٨)، وفي معظم أنشطة البيشمركة التي كانت تجري بالكمائن، كانت تلحق خسائر بشرية ومادية كبيرة بقوات الحكومة من قتل الجنود وحرق سياراتهم (بارزاني، ٢٠٢١، ٩٦).

 كانت مكاسب البيشمركة في تلك المعركة هي الاستيلاء على ثلاثة أسلحة من نوع كلاشينكوف وكمية من المعدات العسكرية، واستمرت المعركة لمدة ساعتين ونصف وأغلق الطريق الرئيسي وتوقفت الحركة فيه، ولم تكن هناك خسائر في صفوف قوات البيشمركة في ذلك النشاط، وانتهى نشاطهم بنجاح، ثم غادروا المكان وانسحبوا إلى قرية كانياتا (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٨).  

المصادر:

١- بارزاني، مسعود، بارزاني وحركة التحرر الكوردية، المجلد الرابع، ١٩٧٥-١٩٩٠ ثورة جولان، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، مطبعة روكسانا، ٢٠٢١.  

٢- مراد، محمد، خباتا جيا، ذكريات وقصص ثورة جولان بين عامي (١٧٦-١٩٨٩)، مطبعة كوردستان – زاخو، ٢٠٠٧.

٢- كردي، غازي عادل، بيشمركة في خدمة نهج بارزاني حجي بيروخي المجلد الثاني، الطبعة الثانية، تركيا- ٢٠٢١.