أولى خطوات القضاء عليه تبدأ من اعتقاله وإبعاده، فعندما كان في الثالثة من عمره، قام العثمانيون بسبب ثورة الشيخ عبد السلام بارزاني بسجنه مع عائلته في سجن الموصل، ثم قرروا نفيهم إلى السليمانية. بعد ذلك يصل بارزاني إلى سن يستطيع فيه حمل السلاح، ومن ثم يتم الاعتماد عليه في المعارك، وشيئاً فشيئاً يتردد اسمه على لسان كل كردي.

أولاً: محاولة اغتيال الملا مصطفى بارزاني في عام ١٩٣٦

بعد إخماد ثورة بارزان الأولى وتسليم الشيخ أحمد بارزاني والملا مصطفى بارزاني من قبل الأتراك إلى الحكومة الملكية في العراق وبقائهم وعوائلهم تحت الإقامة الجبرية في الموصل، وبعد أن أشعل خوشوي آوديش ثورة خوشوي، كانت الحكومة الملكية، وبالأخص حسام الدين جمعة الذي كان حينها مديراً للشرطة ويدير أيضاً أعمال المتصرف السابق عمر نظمي، يعتقدون أن الملا مصطفى هو من يحرض حركة خوشوي وأنهم يستمدون إلهامهم منه، لذا في عام ١٩٣٦ حاولوا تسميم الملا مصطفى بارزاني ووضعوا السم في قهوته، وبعد ذلك الملا مصطفى بارزاني بقي فاقداً للوعي لمدة أسبوعين ونجا من الموت بأعجوبة.

في محاولة إنقاذ الملا مصطفى، يذكر هؤلاء: الشيخ عجيل ياور وعائلة كشمولة والعباوين، كما أن هناك إشاعة في الداخل بأن طبيباً فرنسياً كان يعيش في سوريا كان له دور في علاج الملا مصطفى.

 

 

ثانياً: محاولة اغتيال الملا مصطفى بارزاني في عام ١٩٦١

بعد اندلاع ثورة أيلول في ١١ أيلول عام ١٩٦١ وانتصار البيشمركة في عدة معارك، كانت الحكومة العراقية تحاول ظاهرياً التقرب والتفاوض مع القيادة السياسية الكردية وبالأخص الجنرال مصطفى بارزاني، لكنها كانت تحاول سراً عدة مرات قتل واغتيال الملا مصطفى، كما روجوا عدة مرات لإشاعة موت ومقتل الملا مصطفى.

عبد الكريم قاسم الذي كان قد فقد صوابه تماماً وكان يحاول ترسيخ حكمه الفردي أكثر في العراق وكان يريد أن يتخلى الملا مصطفى بارزاني عن الحقوق المشروعة لشعب كوردستان وأن يذهب ويجلس في بارزان، لهذا الغرض أرسل رسالة إلى الشيخ أحمد بارزاني وطلب منه أن يحث الرئيس مصطفى بارزاني على الجلوس معهم، والشيخ أحمد لم يرفض ذلك وأرسل مندوبين عنه إلى الملا مصطفى لكي يوافق على الاجتماع مع مندوب عبد الكريم قاسم وهو العميد حسن عبود مسؤول اللواء الخامس. مسعود بارزاني في الجزء الأول من المجلد الثالث من كتاب (بارزاني والحركة التحررية الكردية) يروي ذلك على النحو التالي:

في ١٧ كانون الأول، حددت الحكومة مكاناً بالقرب من سرسنك للمتحاورين، لكن بارزاني لم يذهب إلى ذلك المكان وبقي في مكان قريب من قرية بامرني، ثم أرسل عدة مبعوثين إلى المكان الذي حدد للاجتماع، لكي ينتظروا وصول حسن عبود ويأخذوه معهم إلى المكان الذي اختاره بارزاني نفسه للاجتماع. صدقت وجهة نظره وكان قاسم ينوي القضاء عليه وعلى حسن عبود مبعوثه أيضاً في مكان التقائهما. بمجرد أن غادر حسن عبود المكان وذهب مع مبعوثي بارزاني إلى بارزاني، جاءت أربع طائرات وقصفت المكان بشدة وبدقة. حسن عبود رأى ذلك القصف العنيف من بعيد بعينيه وأصابته خجلة شديدة وكان ذلك الموقف ثقيلاً عليه إلى حد كبير.

كما يظهر في هذه الرواية، فإن تجربة وبعد نظر بارزاني الخالد أحبطت مخططات الأعداء ولم تسمح بتحقيق أمنياتهم وفشلت محاولتهم الإرهابية. مصطفى بارزاني قال هناك لحسن عبود: ''أنا لا أطلب من قاسم شيئاً يعطيني إياه. فليعطِ حقوق شعب كوردستان وأنا سأغادر العراق وأرحل''.

ثالثاً: محاولة اغتيال الملا مصطفى بارزاني في عام ١٩٧١

بالرغم من أن ثورة أيلول كانت قد حققت جزءاً من أهدافها، كما تم الاعتراف رسمياً لأول مرة بالحكم الذاتي لكوردستان، إلا أن أعداء كوردستان والرئيس مصطفى بارزاني لم يتوقفوا عن محاولاتهم واستمروا في التخطيط والتدبير لاغتياله.

في ١٥ أيلول ١٩٧١ قام عالمان دينيان أحدهما يدعى عبد الجبار الأعظمي وهو عالم دين سني مع عبد الحسين دخيلي وهو عالم دين شيعي، بزيارة مصطفى بارزاني وقد استقبلهما استقبالاً حاراً. هذان العالمان الدينيان ذكرا أنهما بسبب سوء الأوضاع بين الثورة والنظام العراقي وتأثير ذلك الوضع على الرأي العام، قد قاما بالزيارة، كما أبلغاه بأنهما ينويان القيام بحملة بين علماء الدين والناس بشكل عام، لكي يقللوا من الخلافات، ويجعلوا السلام القائم أكثر رسوخاً، ولهذا كانوا بحاجة إلى وجهة نظر الرئيس مصطفى بارزاني.

بارزاني أبدى رأيه لهما وكان عملهما وجهدهما مقبولاً لديه وأيدهما. إلى هنا الأمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو أن السائق الذي أحضر العالِمين الدينيين كان رجلاً من جهاز الاستخبارات العراقي، وكان قد جاء ليرى الإجراءات الأمنية التي تتخذ لحماية الملا مصطفى بارزاني وليتعرف على جغرافية المنطقة ومقر بارزاني أيضاً ويعرف أين يجلس بارزاني وأين يستقبل ضيوفه.

في ٢٩ أيلول ١٩٧١ جاء وفد إلى حاجي عمران كان يتألف من عبد الحسين دخيلي، الشيخ عبد الجبار الأعظمي، الشيخ عبد الوهاب الأعظمي، الشيخ إبراهيم غانم خزاعي، الشيخ أحمد هيتي، الشيخ باقر مظفر، الشيخ غازي الدليمي، الشيخ نور ياسين، الشيخ عبد الجليل الموسوي، وكانوا قد جاؤوا لهذا الغرض لحل المشاكل بين الثورة والحكومة العراقية. هذا الوفد جاء بسيارتين، إحداهما كانت تويوتا بيك آب، والأخرى كانت شيفروليه موديل ١٩٦٣، وكان سليمان كوخي ومحمد كامل إسماعيل سائقي السيارتين وفي نفس الوقت كانا تابعين لجهاز استخبارات بغداد. 

في سيطرة حاجي عمران لم يُسمح للسيارات بالمرور، لكن عضواً من الوفد وهو عبد الجبار الأعظمي هدد بتقديم شكوى ضد حراس السيطرة بأنه إذا لم يسمحوا لهم بالمرور، فسيشتكون عليهم لدى الرئيس مصطفى بارزاني، لذا سمحوا لهم بالمرور.

في الوقت الذي وصل فيه الوفد، كان الرئيس مصطفى بارزاني والدكتور محمود و مسعود بارزاني كانوا معاً. أُبلغ بارزاني بأن ضيوفه قد وصلوا وأُخبر بأسماء الضيوف، فقرر بارزاني مقابلتهم بعد صلاة العصر.

 كان الضيوف قد جلبوا معهم مصحفاً وكتاباً شرعياً آخر لمصطفى بارزاني، فاستلمهما وشكرهم. بعد ذلك دخل صانع الشاي في المقر، وبدأ بصب الشاي للشيخ هادي الخزرجي الذي كان يجلس مقابل الرئيس مصطفى بارزاني. الشيخ هادي الذي كان قد جلب معه سراً جهاز تسجيل لتسجيل صوت مصطفى بارزاني، استغل فرصة طقطقة الأكواب وتقديم الشاي من قبل الصانع ووضع إصبعه على جهاز التسجيل، ولكن بدلاً من أن يسجل الصوت، انفجر الجهاز وتمزق الشيخ في مكانه وامتلأت الغرفة بالدخان.

مسعود بارزاني الذي كان مع الرئيس مصطفى بارزاني قبل الانفجار وتوجه مباشرة نحو مكان الانفجار بعد سماع صوته، يقول: في البداية ظننت أن منزل والدي قد فُجر، ثم تبين لي أن والدي في ذلك الوقت المحدد، كان قد ذهب مبكراً إلى الضيوف وهناك وقع العمل الإرهابي. ظننت أن والدي قد اغتيل، ثم أخبرني أحد الحراس أن الرئيس مصطفى بارزاني قد أصيب بشظية واحدة فقط وهو بخير.

 يروي مسعود بارزاني أحداث ما بعد العمل الإرهابي كالتالي: في غرفة الاستقبال قُتل أربعة ممن جاؤوا بشظايا القنبلة المنفجرة. كما أصيب الجالسون عن يمين وشمال والدي، ومن استطاع الهرب إلى خارج الغرفة هرب، وترك بارزاني الغرفة ونادى على البيشمركة: لا تقتلوا أحداً، ولكن السائقين الاثنين بعد أن لم يتمكنا من الوصول إلى سيارة الشيفروليه - التي كانت هي الأخرى، مثل السيارة الأخرى، مفخخة ومثبت عليها صاروخ في مكان الأضواء الخلفية لكي يطلقوه على أي سيارة تلاحقهم إذا نجح السائقان في الهرب، هذان السائقان عندما ضاقت بهما السبل، كانا يلقيان قنابل يدوية... في الساعة الخامسة وخمس وعشرين دقيقة انتهى كل شيء بمقتل المتآمرين.

في هذا العمل الإرهابي، قُتل تسعة من الملالي مع السائقين الاثنين واستشهد اثنان من البيشمركة وأصيب أربعة عشر آخرون. كما أنه بعد أن تفرق الناس جميعاً، انفجرت سيارة التويوتا المفخخة، لكنها لم تسفر عن أي أضرار.

للاطمئنان على سلامة بارزاني وفرحتهم! بنجاة الجنرال مصطفى بارزاني في المحاولة الإرهابية، أرسلت قيادة بلد العراق لحزب البعث في البداية برقية، وبعدها أرسل رئيس الجمهورية عبد الستار جواري الذي كان وزيراً، مندوباً عنه إلى الرئيس بارزاني، وأعرب الطرفان عن عدم علمهما بالعمل الإرهابي.

لكشف الحقائق وتحديد المتورطين في العمل الإرهابي، تشكلت لجنة مشتركة، لكنها كانت بلا نتيجة، لأن المعلومات التي حصل عليها جهاز حماية الثورة كانت تشير إلى أن النظام نفسه هو من وضع الخطة. 

ربما كان ناظم كزار الذي كان حينها مسؤول جهاز المخابرات العراقي، له دور مؤثر في تنفيذ الخطة، لكن صاحب القرار كان فوقه وهو كان مجرد منفذ. مسعود بارزاني في المجلد الثالث من الجزء الثاني لكتاب بارزاني وحركة التحرر الكردية يقول، إن مام جلال روى لي أنه في الوقت الذي كان فيه في بغداد عام 1983 للمفاوضات، اعترف صدام بأنه كان على علم بمحاولة اغتيال مصطفى بارزاني وأنه كان مستاءً جداً لأن المحاولة لم تنجح.

رابعاً: محاولة الاغتيال عام 1972

 بعد محاولة الاغتيال الفاشلة لجهاز المخابرات العراقي في مقر بارزاني، لم يتعظ ذلك الجهاز واستمر في أعماله الإرهابية، في 15 تموز عام 1972 جاء شخص يدعى إبراهيم كاباري من سوريا إلى العراق بدعوى أن حكومة سوريا طردته، كان كاباري يتردد كثيراً على الفرع الخامس للحزب وأنشأ علاقة مع جهاز المخابرات العراقي وهم كلفوه بمهمة.

ناظم كزار الذي كان حينها مسؤول مخابرات العراق، كلف إبراهيم كاباري، بأن يقترب من مقر بارزاني ويحاول اغتيال الرئيس مصطفى بارزاني، وإذا لم يستطع اغتياله، فإما إدريس بارزاني أو مسعود بارزاني اللذان كانا ابني قائد حركة التحرر في كوردستان، أن يغتال أحدهما. وافق كاباري على ذلك وتوجه نحو المناطق المحررة الخاضعة لسلطة الثورة وهناك طلب أن مسعود بارزاني يقابله، لأنه لديه سر مهم.

قابل مسعود بارزاني كاباري، وأخبره كاباري بذلك الطلب الذي كان لدى جهاز المخابرات العراقي منه، لـ مسعود بارزاني فقال له ألا يتراجع وأن يستمر في عمله، ليرى ماذا سيطلبون منه أيضاً.

جهاز المخابرات العراقي، لكي يصدقوا كاباري بأنه صادق في أنه قريب من مقر بارزاني، طلبوا منه، أن يلتقط صوراً مع كل من الرئيس مصطفى بارزاني و إدريس بارزاني ومسعود بارزاني، هذا الطلب لكاباري تم تنفيذه من قبل مسعود بارزاني بإيصال الصور إلى ناظم كزار، صدق كاباري وأرسلوا معه حقيبة مليئة بـ (تي إن تي) إلى المناطق المحررة الخاضعة للثورة، ليغتال بها مصطفى بارزاني وإذا لم يمكن، يفجر الـ (تي إن تي) بأحد ابنيه.

تم تسليم حقيبة (تي إن تي) إلى مخابرات الثورة وبعدها نُشر خبر محاولة اغتيال بارزاني الفاشلة في جريدة خبات، لكن نظام البعث، مثل أعمالهم الإرهابية السابقة، أنكروا هذه المحاولة الإرهابية أيضاً وأعلنوا عدم علمهم بها، ووزارة داخليتهم نفت وجود أي علاقة لأي مؤسسة من مؤسسات حكومة العراق بهذه المحاولة الإرهابية.

شكل صدام حسين لجنة لمتابعة الحقائق كانت تتألف من عبد الخالق السامرائي مندوب حزب البعث ومكرم طالباني مندوب الحزب الشيوعي ومحمد محمود عبد الرحمن مندوب الحزب وعزيز شريف ودارا توفيق وإحسان شيرزاد. جاءت اللجنة إلى ناوبردان وشاهدوا الأدلة والتقوا بإبراهيم كاباري الذي اعترف بكل شيء، كما كشف أسماء الضباط الذين شاركوا في تلك الخطة، منهم الضابط باسل الأعرجي. سأل عبد الخالق السامرائي إبراهيم كاباري عن ملامح ذلك الضابط وتبين أن كلامه صحيح، لأنه كان يعرفه. وعد السامرائي برفع نتائج لجنة المتابعة إلى جهات أعلى، لكن حزب البعث لم يتخذ أي إجراء تجاه هذا الحادث، حتى ذلك الوقت الذي قام فيه ناظم كزار في 20 حزيران 1973م بانقلاب للإطاحة برئيس الجمهورية أحمد حسن البكر والاستيلاء على سلطة العراق، حينها اعترف نظام البعث بأن المحاولة الإرهابية في 29 أيلول 1971م والمحاولة الإرهابية في 15 تموز 1972م كانت من عمل ناظم كزار بتحريض من جهة خارجية.

بالإضافة إلى هذه المحاولات، كانت هناك محاولات إرهابية أخرى تهدف إلى زعزعة أمن المناطق الخاضعة لسلطة الثورة، ولكن بفضل يقظة أجهزة أمن الثورة، لم تكن تحقق أي نتائج. والأهم من ذلك هو أنه في أي وقت وفي أي الوضع، لم ترد قيادة الثورة على المحاولات الإرهابية بمحاولات إرهابية، وكانت الثورة والحركة التحررية في كوردستان دائماً، إذا أرادت الانتقام، تنتقم من الأشخاص الذين نفذوا العمل الإرهابي، وليس من النساء والأطفال والأبرياء، وكان هذا عملاً يؤمن به الرئيس مصطفى بارزاني إيماناً تاماً، وكان دائماً يحث من حوله وقادة قوات پیشمرگة كوردستان على عدم القيام بأي نشاط يقع فيه الأبرياء ضحايا.

المصادر:

1. مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكوردية، المجلد الأول، ثورة ايلول 1931- 1958، الطبعة الأولى (أربيل- مطبعة وزارة الپیشمرگة- 2004).

2. مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكوردية، المجلد الثالث، الجزء الثاني، ثورة ايلول 1961- 1975، الطبعة الأولى (أربيل- مطبعة وزارة الپیشمرگة- 2004).

3. أرشيف هيئة موسوعة الحزب الديمقراطي الكوردستاني.