في عام 1965 واجهت مناطق ثورة ايلول مجموعة من المعارك والملاحم من قبل الجيش العراقي بهدف إسكات صوت الثورة في كل تلك المناطق وإفشال أنشطتهم، لكن في العديد من تلك المعارك وشنت البيشمركة هجمات مضادة على عدة أماكن حققت نجاحاً ملحوظاً، حيث سقطت عدة مناطق من كوردستان تحت سيطرة الثورة مثل منطقة قلعة دزة وجوارتا وخوشناوتي وجبل سفين وقره داغ وكرميان وكلار ووارماوة.
كان سهل أربيل أو تحديداً قرية بيستانة إحدى تلك المناطق التي تعرضت لهجوم الجيش المذكور، بيستانة قرية جميلة في سهل أربيل تابعة لناحية قوشتبة في شرق مدينة أربيل على بعد حوالي 30 كم، ولأنها كانت منطقة مهمة للثورة وقريبة من أربيل وبردي (ألتون كوبري) وقوشتبة وتقتق، كان بإمكان الجيش العراقي بسهولة شن هجوم عليها، كما كانت قوات البيشمركة تستطيع بسهولة إرسال مجموعاتها ومفارزها من هناك إلى تلك المدن والبلدات وتنفيذ نشاطات بارتيزانية والعودة إلى أماكنهم.
من الواضح أن الحكومة في هذه الحملة العسكرية كان هدفها إبعاد قواعد ومقرات البيشمركة عن هذه المناطق في سهل أربيل لكي لا يبقى خطر على آبار نفط كركوك، نظراً لأن آبار النفط كانت تقع غالباً تحت هجمات البيشمركة، ومن جهة أخرى كانت تريد تقليل نشاط البيشمركة على مدينة أربيل وكوية وأماكن أخرى، ولهذه الأسباب قامت الحكومة في خريف عام 1965 بشن هجوم كبير وواسع، تكون من الجيش والمسلحين المأجورين (الجحوش) بدعم من الدبابات والمدافع بعيدة المدى والطائرات الحربية، على قواعد ومقرات البيشمركة في بيستانة وسهل كوية وأربيل والذي يسمى أيضاً بهجوم المحاور الخمسة.
بدأ زحف الجيش العراقي والمسلحين المأجورين من خمسة محاور، قوة من قوشتبة نحو بيستانة، وقوة أخرى من دربند كومسبان وقوة أخرى من تقتق وناحية شوان والقوة الرابعة من أربيل إلى دارتو نحو بيستانة والقوة الخامسة من قرية قشق نحو بيستانة، وكذلك في كوية نحو دكالة وقرية طالباني الصغيرة. حيث شمل هذا مساحة كبيرة وواسعة من سهل أربيل، واستمرت هجمات الجيش العراقي على قواعد ومقرات البيشمركة من عدة محاور في سهل أربيل لمدة شهر بشكل متواصل.
بدأت بداية الهجوم بقصف مدفعي ثقيل على خنادق البيشمركة، حيث نصبوا كتيبة مدفعية في أربيل ودربند كومسبان وقشق، بالإضافة إلى ذلك ومنذ الصباح الباكر حتى المساء كانت القوات الجوية للحكومة تقصف مقرات وخنادق البيشمركة، بنية أنهم يستطيعون في وقت قصير جداً السيطرة على كل تلك المناطق التي هي تحت سيطرة البيشمركة وإخلاء خنادقهم وأن يعود ذلك السهل الفسيح تحت سيطرة قوات جيش الحكومة.
لكن من الواضح أن قوات البيشمركة كانت قد وصلتها أخبار هجوم واسع قبل بدئه على خنادقهم في تلك المنطقة، لذلك كانت قد أتمت كافة استعدادات الدفاع للمواجهة والتصدي للقوة الضخمة للجيش العراقي، أحد الاستعدادات كان نقل كل البيشمركة الذين كانوا جرحى أو مرضى ولا يملكون القدرة على القتال إلى مناطق أخرى من الثورة التي لم تكن مهددة بهجوم الحكومة لكي لا يصبحوا عبئاً على البيشمركة أثناء القتال، أو في أي وضع غير مرغوب فيه وخاصة في حالة الهزيمة لا يقعوا في أيدي العدو.
في هذه المعركة ضحى حوالي 200 بيشمركة من ذوي الخبرة في القتال والدفاع بأنفسهم وأحكموا خنادق الدفاع، كما أكدوا عهدهم بالبقاء أو الفناء مع بعضهم ومع تراب ومعتقدات الكورد، بقيادة فارس باوة، أحمد حاجي علي، قادر عزيز وسو دزيي، سيد كاكة في وقت بدء المعركة تصدى البيشمركة لقوات الجيش العراقي والمسلحين لدرجة أنهم طوال شهر من الهجوم تلو الهجوم لم يسمحوا للجيش العراقي بالوصول إلى القواعد والمقرات وخنادقهم، وهذا أصبح سبباً لصدمة قوات الجيش العراقي التي بكل تلك القدرة العسكرية واللوجستية والسلاح والذخيرة التي كانت تحت أيديهم لم يستطيعوا تنفيذ ما كان هدفهم وما خططوا له.
بعد شهر من الهجوم والاعتداء على خنادق البيشمركة لم يستطع الجيش العراقي تحقيق هدفه والانتصار على البيشمركة، لذلك وبعد خسائر فادحة تمثلت في مقتل عشرات العسكريين وتدمير العديد من السيارات العسكرية اضطر إلى سحب قواته إلى المكان الذي جاء منه وبدأوا بالتحرك وتركوا المنطقة.
بعد انتهاء هجوم الجيش العراقي كانت لدى قوات البيشمركة خسائر بشرية تمثلت في استشهاد 6 بيشمركة وجرح 14 بيشمركة، كما تم حرق أكثر من 20 قرية من قبل المسلحين المأجورين (الجحوش) واستشهد وجرح حوالي 50 مواطناً من النساء والأطفال بقصف الطائرات والمدفعية، لكن ذلك لم يكن سبباً لانخفاض معنويات البيشمركة ليتخلوا عن النشاط البارتيزاني، وهذا ما جعل بعد فترة قصيرة تصل عدة مفارز من البيشمركة إلى داخل مدينة أربيل ويهاجموا عدة مؤسسات عسكرية للحكومة لكي يظهروا للحكومة من جهة أن معنويات البيشمركة لم تنخفض وأنهم مستمرون في النشاطات البارتيزانية، ومن جهة أخرى يطمئنوا جماهير مدينة أربيل ويكون واضحاً وجلياً لديهم أن هذه هجمات الحكومة لن يكون لها تأثير سلبي على قوة ومعنويات البيشمركة.
المصادر:1. مسعود بارزاني، بارزاني وحركة التحرر الكوردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، ثورة ايلول 1961-1975، الطبعة الأولى 2004.
2. آري كريم، صفحات حية من ثورة ايلول، مطبعة خبات، دهوك 1999.
3. خورشيد شيرة، نضال ودم، ذكريات سنوات نضال البيشمركة، الطبعة الثالثة، أربيل، 2015.
4. إبراهيم جلال، جنوب كوردستان وثورة ايلول، التأسيس والانهيار، 1961-1975، الطبعة الرابعة، 2021.
5. سيد كاكة، ذكريات بيشمركة، مطبعة وزارة الثقافة، الطبعة الأولى، 1997.
6. عبد الله رحمان ملازادة: شكل هيكلية ثورة ايلول، الطبعة الثانية، دهوك.





