في كانون الثاني ١٩٨٣ عقد مسؤولو البيشمركة في منطقة دهوك اجتماعاً لمواصلة أنشطة البيشمركة ومهاجمة قواعد ومخافر البعث، لكي يشنوا هجوماً عنيفاً على قوات نظام البعث ويزرعوا الخوف والقلق في قلوب قواتهم ويذكروهم بقوة وقدرة البيشمركة. شارك في الاجتماع مسؤولو وأعضاء لجنة منطقة دهوك للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسؤولو وأعضاء منظمة هورمز ملك وطاهر زيباري، وشكلوا مجموعة كخطوة أولية ليذهبوا ويحددوا مكاناً، من أجل الاستطلاع وجمع المعلومات وكيفية الهجوم على القاعدة العسكرية، تألفت مجموعة البيشمركة من ثمانية أشخاص بإشراف محمد صالح، وفي ليلة ٩ على ١٠ من كانون الثاني ١٩٨٣ حددوا مخفراً في حدود قرية بادي (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٠). 

 

  في تلك الفترة كانت أنشطة ثورة الكرد في حرب العصابات ضد النظام المتسلط تتجلى أكثر في الهجوم على المخافر والقواعد العسكرية (بارزاني، ٢٠٢١، ٩٣ )، وصل البيشمركة إلى مقربة من المخفر، الذي كان يقع على مكان مرتفع ووعر، وكان محاطاً بعدة صفوف من الألغام، قام البيشمركة بحذر شديد وبدون أن ينتبه عسكريو المخفر برفع الألغام وإبطال مفعولها وإعادتها إلى أماكنها لكي لا يشعر العسكريون بأنه تم التلاعب بها، ثم حددوا ثلاث نقاط في الجزء الغربي من المخفر كانت تبعد ٤٠ – ٥٠م عن بعضها البعض، موقعان لتثبيت الآر بي جي والآخر للبي كي سي لكي يطلقوا النار من هناك على المخفر، بعد انتهائهم من تنفيذ الخطة الأولى، غادروا المكان. وفي اليوم التالي عادوا إلى مقر المنطقة وأبلغوا مسؤولي قوات البيشمركة بكامل الخطة والمعلومات (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٠).

 في ذلك العهد كانت قوات البيشمركة منظمة في إطار التنظيم الحزبي كفروع ومناطق ومنظمات (كردي، ٢٠٢١، ٢٦٩). قام مسؤول المنطقة ومنظمتا المذكورتان بجمع البيشمركة وشكلوا قوة من ٢١ بيشمركة بإشراف محمد صالح، دون أن يُقال لأي من البيشمركة ماذا سيفعلون وإلى أين سيذهبون. 

في ١٠ من الشهر انطلقوا نحو قريتي بويتا وباكوزي وذهبوا إلى قرية بادي، وتوزعوا على البيوت لتناول طعام العشاء ثم ذهبوا إلى مسجد القرية للراحة، في منتصف الليل أي بعد نوم سكان القرية، نهضوا واستعدوا، كشف مسؤول القوة عن خطة الهجوم على المخفر القريب من القرية للبيشمركة، ووزع قوته على النقاط التي خططوا لها مسبقاً، وتم تحديد أربعة بيشمركة لكل نقطة لاستخدام الآر بي جي والبي كي سي التي كانت الحملة الأولى للهجوم (مراد، ٢٠٠٧، ١٦١).

 في الساعة ١٢ من ليلة ١١ على ١٢ من كانون الأول ١٩٨٣ خرجت قوة البيشمركة من قرية بادي نحو المرتفع الذي يعلو القرية حيث كان قد وُضع مخفر لقوات عسكرية تابعة للحكومة لمراقبة القرية وما حولها من وجود قوات البيشمركة، في ليلة شتوية باردة ومثلجة، اصطف البيشمركة واحداً تلو الآخر، وصعدوا المرتفع، وفي الساعة الواحدة ليلاً وصلوا إلى مكان الهدف الذي كان نقطة وضع الآر بي جي والبي كي سي، في وقت مبكر وبدون أي تهاون، وكما خُطط له اتخذت كل مجموعة طريقها نحو نقطتها وكان مسؤول النشاط محمد صالح يوجههم، وتمركزت أسلحة الآر بي جي والبي كي سي في المكان المحدد (مراد، ٢٠٠٧، ١٦١).

  في الساعة الواحدة ليلاً صدر الأمر من قبل مسؤول القوة ببدء الحملة الأولى التي كانت عبارة عن آر بي جي اثنين وبي كي سي، ومع تلقي الأمر ومن ثلاث نقاط احمرت جدران المخفر بضربات مفاجئة، تحولت الليلة المظلمة الدامسة إلى نهار مشرق، وتناثرت شظايا انفجارات قذائف الآر بي جي والبي كي سي في أطراف المخفر، وفي غضون ٢٠ دقيقة أطلق كل آر بي جي ٦ قذيفة على جدران المخفر، عندما علم البيشمركة أن عسكريي المخفر في نقطة الحراسة قد تعبوا وتضرروا، أوقفوا هجوم الآر بي جي وبدأت الحملة الثانية التي كانت الهجوم إلى داخل المخفر.

اقترب البيشمركة من جدران المخفر وأضرموا النار في داخل المخفر مرة أخرى بالقنابل اليدوية، وكل مكان كان يُسمع فيه صوت إطلاق نار من العسكريين، كانوا يرمون عليه عدة قنابل فيصمت. عندما علموا أن المقاومة قد انتهت، دخل عدد من البيشمركة إلى المخفر وسيطروا على كامل المخفر، وأطلقوا عدة رصاصات نحو السماء، كإشارة للانتصار والسيطرة على المخفر (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٢).

 بعد السيطرة على المخفر قُتل جميع العسكريين الذين كانوا في الخدمة وعددهم ٩ شخصاً وأُسر أربعة منهم، وكان أحدهم مسؤول المخفر، وتمت مصادرة جميع الأسلحة والذخائر، وكانت كميتها عبارة عن ١٠ كلاشينكوف و٤ آر بي جي و٧ قناصة مع ٣٠٠ رصاصة كلاشينكوف و١٥ قذيفة آر بي جي و٧٠٠ رصاصة بي كي سي و١٢٠ قنبلة يدوية و٦٤ مخزن بندقية وبعض المستلزمات الأخرى، ثم حملوا الغنائم ووضعوا الأسرى أمامهم وغادروا المكان، وانطلقوا نحو قرية بادي ومن هناك بسيارة نحو قرية زيوة، وبعد استراحة قصيرة، انطلقوا نحو مقر لجنة المنطقة، وعند وصولهم استقبلهم مسؤول المنطقة وجميع البيشمركة استقبالاً حاراً، وقدموا الأسرى والغنائم إلى لجنة المنطقة، وبعد اجتماع تم توزيع الغنائم على البيشمركة، ثم أقاموا حفلاً، وبدأوا بالغناء والرقص بمناسبة الانتصار (مراد، ٢٠٠٧، ١٦٣).

المصادر:

١- بارزاني، مسعود، بارزاني وحركة التحرر الكوردية، المجلد الرابع، ١٩٧٥-١٩٩٠ ثورة جولان، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، مطبعة روكسانا، ٢٠٢١.  

٢- مراد، محمد، خباتا جيا، ذكريات وأحداث ثورة جولان بين عامي (١٧٦-١٩٨٩)، مطبعة كوردستان – زاخو، ٢٠٠٧.

٣- كردي، غازي عادل، بيشمركة في خدمة نهج بارزاني حجي بيروخي المجلد الثاني، الطبعة الثانية، تركيا- ٢٠٢١.