كان نظام البعث بسياساته التي اتبعها طوال فترة حكمه في كوردستان عائقاً أمام مشاركة الكورد الحقيقية في سلطة إدارة البلد، بل وكان يرفض تماماً المواطنة على أساس المساواة والقانون، وبالطبع فإن تطبيق تلك السياسة المعادية والقمعية ضد الكورد كان يزرع بذور استياء عميق في أعماق كل فرد من أفراد شعب كوردستان لدرجة أنه كان يهز مشاعرهم القومية والوطنية، وفي النهاية كانوا يواجهون الأجهزة والمؤسسات العسكرية والأمنية والمسلحة، لأن ظلم واستبداد أجهزة البعث كان يحرض الناس لدرجة أن يرفعوا أصوات الاحتجاج ويقوموا بالانتفاضة ويواجهوا الأجهزة الأمنية والعسكرية للحكومة بأشد الطرق، ومن جهة أخرى أدركت الحركة الوطنية وقيادة الثورة في تقييمها للوضع أن حكومة البعث لا تفهم لغة الحوار والحل السلمي بأي شكل من الأشكال، بل إنها ليست مستعدة حتى للاستماع، ولهذا السبب توصلوا إلى قناعة بأن يستعدوا لذلك الأسلوب من النضال الذي يزعج قادة البعث ويفهم مشاعر أمة، ألا وهو النضال المسلح الحزبي.

      من الواضح أن ثورة جولان هي من أبرز مراحل حرب العصابات في تاريخ مقاومة الشعب الكوردي، حيث استمرت قوات الـ پیشمرگة في جميع مناطق كوردستان في الهجوم على مؤسسات نظام البعث وتوجيه ضربات قاصمة وإلحاق الخسائر بهم، وبالتأكيد فإن ذلك تسبب لفترة طويلة في فوضى واضطرابات كبيرة في صفوف القوة العسكرية والأجهزة الأمنية، واتضح لهم أن الدفاع عن الحق موقف لا يقبل المساومة، وأن جوهر أهداف جميع أنشطة الـ پیشمرگة يتلخص في ذلك على هذه الأرض التي يسيطر عليها المحتل. وللاستمرار في الأنشطة الحزبية، وصلت قوة من الـ پیشمرگة في ليلة باردة من أواخر خريف عام ١٩٨٢ من قرية بيروسوان التي تقع شرق جبل زوزك عبر ممر صعب ووعر إلى الطريق الرئيسي سوران - جومان المعروف بطريق هاملتون لنصب كمين للقوات العسكرية لنظام البعث.

      لتسليط الضوء على كيفية تنفيذ النشاط، تحدث إلينا أحد الـ پیشمرگة المشاركين ويدعى نبي خان عزيز عمر قائلاً: كنا قوة تتألف من حوالي ١٢ پیشمرگة بقيادة العبد لله ومصلح زيوئي، وضعنا خطة للنشاط كانت عبارة عن كمين في مكان يسمى خلف منجلان على الطريق الرئيسي، في الوقت الذي كنا فيه في جولة في قرية بيروسوان، تسللنا ليلاً عبر الممر الصعب والمنحدر أسفل القرية، وفي الساعة ٩ ليلاً وضعنا أقدامنا على الطريق، وعندما وصلنا إلى ذلك المكان الذي كنا ننوي نصب الكمين فيه، بدأنا بالاستعداد وتوزعنا على عدة نقاط واختبأنا، لم يمض وقت طويل حتى جاءت سيارة عسكرية من نوع (ستة وستين) على الطريق، كانت تحمل مجموعة من العسكريين في الأمام والخلف، أولئك الذين كانوا يركبون في الخلف كان يبدو أنهم سعداء جداً وكانوا مشغولين بالرقص والتمايل، وعندما وصلت تماماً أمام كمين الـ پیشمرگة رأينا أنه من المناسب أن نجعلها هدفاً لنشاطنا وأبلغنا بعضنا البعض بالبدء بالعمل، قمنا جميعاً بفتح نيران الرشاشات بأسلحة الآر بي جي والأسلحة الخفيفة، ومع ذلك في لمح البصر تم تدمير السيارة مع أول طلقة وأول ضربة آر بي جي وسقطت من منحدر الطريق إلى الأسفل ووقعت بمن فيها من عسكريين في النهر، وتحول رقصهم وهتافهم إلى صراخ وأنين، وفي غضون لحظات قليلة وجدوا أنفسهم داخل مياه النهر، لكننا لم نكن نملك الفرصة لمتابعتهم ومعرفة كم منهم قتلوا لجمع أسلحتهم، لأن الطريق كانت تمر به باستمرار قوة عسكرية أخرى وكانت هناك مجموعة من نقاط الحراسة العسكرية في المنطقة المحيطة أمطروا تلك المنطقة بنيران الدوشكا والهاون، ونحن أيضاً من أجل سلامة الـ پیشمرگة قررنا مغادرة المكان، ثم صعدنا عبر الممر الصعب وبقينا لحظات قليلة في قرية بيروسوان، ثم عدنا إلى قاعدتنا ومقرنا في وادي روست.

      للمزيد من المعلومات حول النشاط وموقف الحكومة ورد فعلها بعد الحادث، تمكنا من التحدث مع شخص من قرية بيروسوان يدعى جلال سليمان شوان الذي كان ينتمي إلى التنظيمات السرية للثورة، كان في ذلك الوقت من سكان القرية لكنه يسكن حالياً في سوران، قال: جاءت قوة من الـ پیشمرگة بقيادة نبي خان ومصلح زيوئي عبر قرية بيروسوان، وكان لديهم نية تنفيذ نشاط وهو ضرب إحدى نقاط الحراسة العسكرية للجيش العراقي، لكن في تلك الليلة واجهتهم مشكلة ولم يتمكنوا من تنفيذ النشاط وعادوا إلى القرية، وبقوا في القرية حتى الليلة التالية، كان جزء منهم في منزلي وجزء آخر ذهب إلى منزل آخر في القرية، وفي الليلة التالية حددوا مكاناً آخر خلف منجلان على الطريق الرئيسي لنشاطهم، دمروا سيارة عسكرية وأسقطوها في النهر، وفي اليوم التالي جاءت قوة عسكرية حكومية إلى القرية واعتقلت تسعة أشخاص من أهالي القرية، من بينهم المذكور نفسه وملا القرية ومختارها، واقتادوا هؤلاء الأشخاص إلى معسكر بالقرب من قرية برزيوة، وحشروهم لمدة يومين في غرفة صغيرة ضيقة، ثم حققوا معهم حول مجيء هؤلاء الـ پیشمرگة عبر قرية بيروسوان وأنهم على علم بذلك، لكن أحداً لم يفصح عن أي معلومات بهذا الشأن، بل أبلغوهم أن الطريق طويل والـ پیشمرگة يصلون عبره إلى كل مكان وليس شرطاً أن يكونوا قد مروا عبر قريتنا، ثم بجهود الأشخاص ذوي النفوذ داخل الحكومة تم إطلاق سراح جميع الأشخاص.

    وفيما يتعلق بخطوات الحكومة لضمان سلامة حياة جنودها بشكل أكبر أثناء النقل والتنقل، قال المذكور: بعد ذلك النشاط للـ پیشمرگة، قامت الحكومة بإنشاء نقطة حراسة عسكرية على تلة مرتفعة قريبة من ذلك المكان الذي نصب فيه الـ پیشمرگة الكمين، كانت تطل على الطريق الرئيسي، ثم قاموا بتلغيم محيط نقطة الحراسة وطريق الممر.    

المصادر:

١- حمه علي، نوري، تاريخ نضال بيشمركة بين الحياة والموت، مطبعة شهاب، الطبعة الثانية، (أربيل- ٢٠١٦).

٢- طيب، جمال فتح الله، حركة التحرر الكردية في جنوب كوردستان ١٩٧٦- ١٩٨٠، الطبعة الأولى، (مطبعة شهاب- أربيل- ٢٠١٢)

٣- مقابلة، نبي خان عزيز عمر، بيشمركة ثورة جولان، مشارك في المعركة، سوران، ٢٤ آذار ٢٠٢٦.

٤- مقابلة، جلال سليمان شوان، من أهالي قرية بيروسوان، سوران، ٢٣ آذار ٢٠٢٦.