وفقاً لإشارة مسعود بارزاني في كتاب بارزاني والحركة التحررية الكردية، كانت قيادة الثورة تفكر منذ فترة في ضرب المنشآت النفطية، وذلك لأسباب واضحة ومعلومة، منها أن الثروة النفطية كانت تستفيد منها أطراف كثيرة بينما كان الكرد محرومين منها، كما كانت عائدات هذا النفط تخصص لشراء الأسلحة والقنابل المدمرة التي كانت تُجرب لاحقاً على الكرد، فضلاً عن أن ثورة كوردستان كانت بحاجة إلى نشاط جديد آخر، لكي تثبت قوتها للنظام الجديد في العراق، الذي كان البعثيون قد استولوا على السلطة فيه للمرة الثانية عبر انقلاب في ١٧ إلى ٣٠ تموز ١٩٦٨. كان الهدف من ذلك القيام بعمل مؤثر ضد الحكومة وإلحاق أضرار كبيرة بها، وإيصال رسالة واضحة للبعثيين بأن الكرد قادرون على الوصول بأيديهم إلى أكبر مصدر اقتصادي للحكومة.   

 من الواضح أن البيشمركة كانت قد هاجمت أنابيب نقل النفط أكثر من مرة في السابق، لكن لم تكن الحكومة ولا شركة النفط منزعجتين كثيراً من ذلك، ولكن بعد أن فقدت قيادة الثورة الأمل في التوصل إلى تفاهم مع العراق بشأن الحوار وحل القضية الكردية، قررت حينها تنفيذ نشاط من هذا النوع وبدأ العمل على التحضير وتنفيذ خطة الهجوم، حيث تمكنت قوة خاصة تابعة لقيادة الثورة في مساء ١ آذار ١٩٦٩ من مهاجمة شركة نفط كركوك وإلحاق أضرار جسيمة بها ونشر صوت احتجاج الكرد في العالم. 

 أوكلت مهمة قيادة هذا النشاط إلى سامي عبد الرحمن مع مجموعة من القادة ذوي الخبرة الذين كانوا مساعدين له مثل فاخر ميركه‌سوري وفارس باوه وحمه سور حسين وعز الدين قره محمد وعريف درويش وقادر جباري، وبعد دراسة دقيقة تم وضع خطة كاملة، وتبين أن الهدف الرئيسي يجب أن يكون معمل التركيز حيث يتم تجميع النفط من جميع الآبار النفطية بعد مروره بمحطات فصل الغاز التي تعمل باستمرار، ثم يذهب إلى تلك المخازن التي يتم تصدير النفط منها.

في مقابلة سامي عبد الرحمن يتحدث عن ذلك ويقول: لغرض الحصول على المعلومات وجمعها استفادوا من أولئك الكرد الذين كانوا يعملون في شركة النفط، وبعد دراسة دقيقة تبين لهم أن النفط بعد فصله عن الغاز في محطات الفصل يذهب كله إلى مخزن يسمونه معمل التركيز (معمل تركيز) في شمال مدينة كركوك، حيث يتم تخزين كل النفط القادم من تلك المحطات الـ ١٠ إلى ١٢ للغاز في المعمل المذكور، ثم يُدفع إلى كيوان ومن هناك يُرسل عبر الأنابيب باتجاه سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط. وفي إشارته يرى أن مخزن تجميع النفط هذا كان المكان الأكثر تأثيراً ليتلقى ضربة قاتلة. 

استغرقت التحضيرات لهذا النشاط شهرين، حيث ذهب أشخاص خبراء ومختصون في مجال هذا النوع من النشاط عدة مرات لمعاينة المنطقة حتى يجدوا مكاناً مناسباً لتنفيذ هذا النشاط فيه بنجاح، وقد وُضعت خطة النشاط بأقصى درجات السرية ولم تتسرب المعلومات بأي شكل من الأشكال إلى أجهزة استخبارات الحكومة، وبعد إجراء عدة اجتماعات بمشاركة إدريس بارزاني المسؤول العسكري الأول للثورة، تم إدخال مجموعة من شباب قوات هلكورد في دورة خاصة للتدريب على تلك الأسلحة التي خُصصت لهذا العمل، مثل مدافع ١٢٠ ملم و١٠٦ ملم، وبالأخص تم الاعتماد على مدفع ١٠٦ ملم لكونه حارقاً ومدمراً، وقبل بدء النشاط تم إجراء مسح ميداني، حيث انطلق سامي عبد الرحمن وفاخر ميركه‌سوري من كەڵاڵه، وفي أربيل انضم إليهم فارس باوه قائد قوة سهل أربيل وحمه سور حسين قائد كتيبة شوان القريبة من المنشآت النفطية، ثم حددوا المكان الذي سيتم فيه نصب المدافع.

انتهت تحضيرات جمع المعلومات في نهاية شهر كانون الثاني ١٩٦٩، كما كان ١٥ شباط المرحلة الأخيرة من التدريب وانتهت هي الأخرى. وبحسب إشارة قادر جباري في مقابلة، يقول إننا انطلقنا من جومان وكان شتاءً قارص البرودة وقد تساقطت ثلوج كثيرة، وفي الطريق من خانقاه إلى ورتي واجهنا صعوبات كبيرة في نقل المدافع وقذائف المدافع حتى وصلنا إلى زيني أستيروكان، لكن ما كان يبعث على الارتياح هو أن أهالي ورتي قدموا لهم مساعدات كبيرة. لأن حمولة أكثر من ١٠٠ بغل من المدافع والذخائر المتنوعة نُقلت عبر الطرق الجبلية إلى سهل أربيل.

بعد الانتهاء من تحضيرات البدء، في ٢٥ شباط ١٩٦٩ ولخداع الحكومة قامت دائرة حماية الثورة بطريقتها الخاصة بنشر عدة أخبار، مفادها أن البيشمركة تنوي شن حملة واسعة من النشاطات الحزبية في سهل أربيل، وكان الهدف من ذلك هو جذب انتباه الحكومة إلى سهل أربيل ونقل أكبر قدر من القوة إلى تلك الجبهة وإضعاف الجبهات الأخرى من حيث القوة، وأدت تلك الحملة الدعائية الخادعة عسكرياً إلى نقل فوج عسكري من ريدار الذي كان مصدراً رئيسياً للقلق للبيشمركة، لأنه كان عائقاً مخيفاً أمام نجاح النشاط، وبسبب ذلك نُقل الفوج إلى سهل أربيل، وأصبح الطريق أمام البيشمركة أسهل في التنفيذ.

 في ليلة ١ على ٢ آذار ١٩٦٩ وصلت قوات البيشمركة إلى الأماكن التي حُددت لها في الخطة، ووفقاً للخطة التي وُضعت كانت الأعمال تسير بشكل جيد، في الساعة ٩ ليلاً بدأت المدافع بضرب منشآت الشركة وقصفوها لمدة ساعتين تقريباً، وأشعلوا النيران في مخزن التركيز وغطت ألسنة اللهب الكبيرة سماء المنطقة، وفي الساعة ١١ من نفس الليلة وصلت برقية من سامي عبد الرحمن إلى القيادة بأنهم نفذوا المهمة بنجاح. كانت قوات البيشمركة قد أتمت كافة تحضيراتها في حال حدوث هجوم معاكس من الحكومة، حيث كان حوالي ٨٠٠ بيشمركة في حالة تأهب لحماية المدافع والتصدي لهجوم الجيش، على جبهات يارويل وإيستاب لاين ومخزن البارود خلف رحيماوة ودارمان وطريق تق تق وألتون كوبري.

بعد نصف ساعة من حرق شركة النفط في كلا محوري إيستاب لاين ورحيماوا، بدأ العسكريون هجومهم على الپیشمرگة، فتصدت لهم قوة من ٣٠٠ پیشمرگة بأسلحة ثقيلة مثل المدافع والدوشكا والآر بي جي والرشاشات، وشنوا هجومين للوصول إلى المدافع لكن تم دحرهم، ومن الساعة ١٠ حتى الساعة ١:٣٠ بعد منتصف الليل استمر الپیشمرگة في مواجهة هجوم الجيش وألحقوا بهم خسائر فادحة، ثم انسحبت قوة الپیشمرگة إلى الخلف وكانت الطائرات تقصف منطقة شوان وجباري واستمر ذلك حتى اليوم التالي، والجدير بالذكر أنه بعد تنفيذ هذا النشاط الكبير في مدينة كركوك عاد الپیشمرگة دون خسائر ووجهوا برقية النصر إلى بارزاني قائد الثورة، فقام بارزاني ببرقية شكرهم وأعرب لهم عن تقديره وامتنانه.

بعد عام ورد في مجلة (أهل النفط) التي كانت تصدرها شركة النفط حديث عن إصلاح تلك الأماكن التي دمرت، واستغرق إصلاحها أحد عشر شهراً لأنها تعرضت لضربة كبيرة جداً، وما تجدر الإشارة إليه أن هذه الضربة لشركة النفط في بابا كركر، بالإضافة إلى كونها نصراً كبيراً للثورة، كانت رسالة مفتوحة لحكومة البعث بأن قوات الثورة قادرة على الوصول إلى عمق مناطق العراق وضرب مصالحهم، وفي الوقت نفسه كان لها صدى كبير في الداخل ووسائل الإعلام العالمية، فقد أدخل استمرار حرب كوردستان وحكومة العراق في أزمة مالية كبيرة وزيادة في الديون، لأن الحروب كانت تكلف يومياً ملايين الدنانير فضلاً عن خسائر بشرية كبيرة، كانت هذه كلها أسباباً مهمة لكي ترضخ الحكومة للحوار والتفاوض مع قيادة الثورة، وكانت ردود أفعالها تقتصر فقط على تحصين محيط منشآت الشركة بالدبابات وقوات المشاة لحمايتها.                    

المصادر:

١- مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، ثورة ايلول ١٩٦١-١٩٧٥، مطبعة وزارة الثقافة، ط: الأولى، أربيل، ٢٠٠٤.

٢- كاروان جوهر محمد، إدريس بارزاني ١٩٤٤- ١٩٨٧ حياته ودوره السياسي والعسكري في الحركة التحررية الكردية، مطبعة هيفي، أربيل، ٢٠١٩.

٣- شوكت ملا اسماعيل حسن، أيام من تاريخ ثورة ايلول، الطبعة الأولى، أربيل، ٢٠٠٧.

٤- آري كريم، صفحات حية من ثورة ايلول، مطبعة خبات، دهوك، ١٩٩٩.

٥- إبراهيم جلال، جنوب كوردستان وثورة ايلول التأسيس والانهيار ١٩٦١- ١٩٧٥، الطبعة الرابعة، ٢٠٢١.

٦- هاوكار كريم حمه شريف، ثورة ايلول، مطبعة جامعة صلاح الدين، الطبعة الأولى، أربيل، ٢٠١٢.