إن الحكومة العراقية التي فرضت الحرب على كوردستان عام 1974 بدأت هجماتها على مناطق الثورة بطريقة سخرت فيها كل قدراتها العسكرية، واستخدمت جيشاً ضخماً يتألف من مئات الآلاف من العسكريين ومئات الدبابات الحديثة وكافة أنواع الأسلحة الجوية والقوة الجوية لكي تنهي الثورة هذه المرة بشكل نهائي.
بالطبع، في كل ثورة وانتفاضة كانت الجبال العالية هي مكان صمود ومقاومة الثورة، ودائماً ما كان البيشمركة يعتمدون عليها في الدفاع، والجيش العراقي أيضاً أراد في البداية السيطرة على المرتفعات، وكسر خطوط الدفاع تلك للبيشمركة الموجودة في جبال مثل كيوة رش وماكوك وكاروخ لكي تصبح المناطق المنخفضة والسهول تحت التهديد والتأثير العسكري. وبناءً على ذلك، كان لدى النظام العراقي خطة لتكثيف هجماته على مناطق الثورة في شهري آب وأيلول لكي يسيطر على المواقع الاستراتيجية قبل حلول موسم البرد والصقيع في الشتاء.
على الرغم من أن الجيش العراقي كان قد تكبد خسائر فادحة في تلك الهجمات التي كان يشنها على مواقع البيشمركة، إلا أنه استمر في هجومه بدعم من القوة الجوية الكبيرة وخبراء عسكريين من الاتحاد السوفيتي ومسلحين مأجورين (جاش)، وعندما تمكن الجيش من التقدم في جبل كيوة رش والسيطرة على الجانب الأيمن، بدأت قوات المشاة 1 وقوات اللواء 12 المدرع بدعم من كتيبة الدبابات 3 تقدمها نحو ممر سنكاسر، الذي يقع في بداية جبل أسوس من الجهة اليمنى وبداية جبل كيوة رش من الجهة اليسرى، حيث يمر طريق رانية – قلعة دزة من خلاله.
في مواجهة تلك القوة الضخمة للجيش العراقي التي كانت تقطع الطريق لاحتلال مدينة قلعة دزة، اتخذت كتيبة من قوات كاوة وكتيبة أسوس مواقعها في ممر سنكاسر الذي كان المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه إنشاء حاجز أمام هجوم الجيش ومنعه من الوصول إلى قلعة دزة، وذلك عن طريق زرع ألغام مضادة للدبابات وأخرى مضادة للأفراد وتخريب الطريق ووضع صخور كبيرة في الطريق، ولم يكن الجيش العراقي يتردد في خطته الهجومية، وكان البيشمركة في حالة دفاع، حيث استمرت الاشتباكات والمواجهات بين الطرفين لمدة قاربت 10 أيام، وعلى الرغم من أن الجيش العراقي تكبد خسائر بشرية ومادية كبيرة إلا أنه كان يصر دائماً على الوصول إلى قلعة دزة، كما كان هناك شهداء وجرحى في صفوف قوات البيشمركة، وفي النهاية تمكن الجيش العراقي في 19 آب 1974 من دخول مدينة قلعة دزة والسيطرة عليها.
من الواضح أنه باحتلال قلعة دزة من قبل الجيش العراقي لم يقف البيشمركة مكتوفي الأيدي، بل استمروا في نشاطاتهم العسكرية، ففي 3 أيلول شنوا هجوماً على ثكنة للجيش العراقي في توة سوران التي تقع على طريق رانية - قلعة دزة، بدأ الهجوم في البداية بقصف الثكنة ثم اقتحموا الموقع العسكري وتمكنوا من إلحاق خسائر كبيرة بالجيش، وكانوا على وشك السيطرة على الثكنة، ولكن بسبب استشهاد قائد البيشمركة عز الدين قره محمد توقفوا عن السيطرة على الثكنة وقامت قوات البيشمركة بالانسحاب.
المصادر:
-
مسعود بارزاني، بارزاني وحركة التحرر الكردية، المجلد الثالث، الجزء الثاني، ثورة ايلول 1961-1975، الطبعة الأولى – أربيل، 2004.
-
سنجر إبراهيم خوشناو، الأحداث العسكرية لثورة ايلول 1970-1975، الطبعة الأولى، أربيل، 2022.
-
كاروان جوهر محمد، إدريس بارزاني 1944- 1987 الحياة والدور السياسي والعسكري في حركة التحرر الكردية، مطبعة هيفي، أربيل، 2019.
-
ملازم خدر عبد الله دباغ، ذكرياتي ومدفعية ثورة ايلول العظيمة، مطبعة روشنبيري، الطبعة الثالثة، أربيل – 2020.
-
إبراهيم جلال، جنوب كوردستان وثورة ايلول، التأسيس والانهيار، 1961-1975. الطبعة الرابعة، 2021.





