كان صيف عام 1963 فصلاً حاراً ودامياً، حيث كان يمر وضع صعب وقاسٍ على كوردستان، وضعت حكومة العراق كامل قواتها في حرب ضد الكورد، لأنها كانت تفسرها على أنها حرب مصيرية وكانت تأمل في القضاء على الثورة وإبادة الشعب الكوردي، ومن يتبقى تجعله خاضعاً ومستضعفاً. ولتنفيذ تلك الخطة بدأت الحكومة بهجمات واعتداءات وحشية بكل قوتها وقدراتها العسكرية البرية والجوية على كوردستان، وكانت تحرق الأخضر واليابس معاً، كما بدأت بقصف القرى والبلدات وحرق المحاصيل الزراعية والغابات الطبيعية وفرض الحصار الاقتصادي، وأرسلت أشرس جيش إلى المدن والبلدات لتعذيب وترهيب السكان بشكل جماعي.
تلك الأعمال جاءت على يد نظام البعث برئاسة عبد السلام عارف، الذي استولى على السلطة في العراق عبر انقلاب في 8 شباط 1963، وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ العراق، ورغم أنهم بدأوا في بداية سلطتهم نوعاً من الحوار والمفاوضات مع قيادة الثورة لحل القضية الكوردية، إلا أن المحادثات لم تستمر أكثر من أربعة أشهر، وفي 10 حزيران 1963 بدأت الهجمات والاعتداءات على مناطق الثورة.
كانت قوات البيشمركة الكوردستانية أيضاً في حالة تأهب دائم لصد الهجمات والدفاع، وفي بعض الأحيان كانت تقوم بنشاطات متنوعة رداً على اعتداءات الجيش، وأحد تلك النشاطات لقوات بيشمركة قرداغ كان معركة جسر وادي دردوينة على الطريق العام بين ميدان ودربندخان في 15 تموز 1963، عندما وصلهم خبر مرور قافلة للجيش العراقي عبر طريق (جلولاء – دربندخان) باتجاه بغداد، قرروا قطع الطريق السفلي لدربندخان أمام تلك القافلة العسكرية والقيام بنشاط بيشمركة، ووضعوا خطة المعركة على النحو التالي:
-
تم تكليف قوة من البيشمركة بقيادة محمد حاجي ولي كلاري بالسيطرة على مرتفعات جبل قطرة لكي لا يسمحوا للجيش العراقي بمحاصرتهم من معسكر ميدان.
-
تم تكليف مجموعة من البيشمركة بمهمة السيطرة على الجبل الواقع خلف قرية باني خيلان لكي لا يسمحوا هم أيضاً للجيش بالتقدم من معسكر دربندخان والسيطرة على مرتفعات گولان.
-
كانت مجموعة أخرى في حالة تأهب أسفل قرية باني خيلان.
-
تمركزت القوة الأخرى بقيادة عزيز قازي بالقرب من جسر وادي دردوينة على الطريق العام بانتظار وصول قافلة الجيش.
كانت هناك أيضاً عدة خنادق في المرتفعات القريبة من الطريق العام، وفي تلك الأوقات التي تمر فيها قافلة الجيش كانوا يرسلون مجموعة من المسلحين المرتزقة (الجاش) إلى تلك الخنادق لحماية الطريق العام، وكانوا هم أيضاً تحت مراقبة البيشمركة.
في الساعة 9 من صباح 15 تموز 1963 وصلت قافلة الجيش العراقي إلى الجسر، بدأ البيشمركة أولاً بإطلاق النار على المرتزقة (الجاش) وقتلوا 3 مسلحين منهم، فترك الآخرون الخنادق وهربوا وتركوا جثث القتلى، بدأ جنود الجيش بالهجوم لاستعادة الخنادق، وفي تلك الأثناء بدأت معركة حامية، لم يتمكن الجنود من استعادة الخنادق بل قُتل منهم عدة جنود، هاجمت قوة من الجيش والمرتزقة مرتفعات خلف قطرة، وهناك تصدى لهم البيشمركة وحطموهم في وقت قصير، قُتل 3 مرتزقة (جاش) في ذلك المكان وبقيت جثثهم في ساحة المعركة، هاجمت قوة أخرى من الجيش العراقي من معسكر دربندخان لنجدة القافلة العسكرية على جبل گولان، فوقعوا في كمين للبيشمركة وقُتل منهم عدة جنود وعادوا إلى معسكرهم.
استمرت المعركة حتى الساعة 5 مساءً، وشارك في المعركة كلا معسكري ميدان ودربندخان والمسلحون المرتزقة من عشيرة نيرولي، وفي ذلك اليوم لم تتمكن قافلة الجيش العراقي من العبور وعادت إلى المعسكر، لكن في اليوم التالي تمكنوا من العبور، وبحسب المعلومات التي وصلت للبيشمركة في تلك المعركة، كانت خسائر قوات الحكومة تتمثل في مقتل 40 جندياً وضابطين و6 مسلحين مرتزقة (جاش)، ومن جانب قوات الثورة أُصيب بيشمركة واحد فقط بجروح طفيفة.
المصادر:
1- مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكوردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، ثورة ايلول 1961-1975، الطبعة الأولى – أربيل، 2004.
2- ابراهيم جلال، جنوب كوردستان وثورة ايلول التأسيس والانهيار 1961-1975، الطبعة الرابعة، 2021.
3- شوكت ملا اسماعيل حسن، أيام من تاريخ ثورة ايلول، مطبعة وزارة التربية، الطبعة الأولى، أربيل – 2007.
4- هاوكار كريم حمه شريف، ثورة ايلول، مطبعة جامعة صلاح الدين، الطبعة الأولى، أربيل – 2012.
5- خوشوي علي كانيلنجي، مذكرات عزيز قازي سورجي، مطبعة دانشفر، الطبعة الأولى، أربيل – 2023.





