(أحمد ميروزي) ذهب أخ له وابنان لأخيه وابن لأخته إلى صفوف الخالدين، (هاشم ميروزي) أخوه بعد تسجيل عدة ملاحم بطولية بين عامي ١٩٦١ حتى ١٩٦٦ من بادينان وصولاً إلى سهل بتوين، استشهد في (جبل أتروش) وأحد أبناء أخيه المدعو (صادق هاشم ميروزي) في عام ١٩٨٧ بعد أن سلك نفس نهج والده (هاشم)، تعرض لقصف (طائرة عراقية) على (قرية ميروز) وابن أخيه الآخر المدعو (حسين هاشم ميروزي) في عام ١٩٩٥ وابن أخته المدعو (حاجي عزيز ميروزي) في عام ١٩٩٥ استشهدوا في حرب الدفاع عن الشرعية. 

بداية ثورة أيلول والعبور إلى منطقة بادينان

في عام ١٩٦١ في (سري شندر) التي تطل على مدينة عقرة، كان البيشمركة قد وضعوا خط دفاع أمام الحكومة العراقية والجحوش. بعد أن وضعت الحكومة العراقية بمساعدة (الجحوش) خطة لمحاصرة قوة (سري شندر) وتمكنوا من الالتفاف عليهم ومحاصرة قوة الثورة، في تلك المعركة انكسر البيشمركة.

 (سليمان ديزو) استشهد في تلك المعركة ووقعت جثته بيد العدو، عن طريق الأسلحة التشيكية ظن العدو أن (ملا مصطفى) قد استشهد، لأن أسلحتنا كانت في الغالب (برنو وجامبيزار وألماني)، فقط (ملا مصطفى) وذلك الرجل (ديزوي) كان بحوزتهما أسلحة تشيكية. 

لاحقاً تراجع البيشمركة إلى (سري بيرس)، العدو استمر في هجماته من هناك أيضاً، في البداية كانوا يقصفوننا بالطائرات ثم بالمدافع (قصف جوي ومدفعي) وبعدها كانت تهجم قوة المشاة التي تتكون من (جحوش وجنود)، ونحن لم تكن لدينا تلك القدرة العسكرية والبشرية، كانوا قوة، (فرقة عسكرية واحدة) تتكون من أكثر من عشرة آلاف جندي مع عدد كبير من الجحوش ومدعومين بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة والمتوسطة الحديثة، ونحن لم يكن عددنا يصل إلى ٦٠٠ شخص وأثقل سلاح لدينا كان (رشاش برين)، وهو كان واحداً سليماً واثنان معطلان، وصلتنا رسالة بأن الحكومة تتقدم من جهة (دينارته) نحو (قرية هرن) ومن هناك إلى (بيراكه برا)، نحن تراجعنا إلى (دوللا دلاشي) واستمررنا في التراجع حتى وصلنا إلى بلي وبارزان ووقعت المعركة في (ملا) التي تقع مقابل (بارزان). 

المعركة في جبل بيرس استمرت لمدة ٥٠ يوماً وفي كل حدود بارزان كان يتم إرسال الطعام إلى جبهات القتال وحتى من قرى (عشيرة مزوري جوري) (خبز الدخن والكشك والحيوانات و...إلخ) كانت ترسل للبيشمركة، حتى (الملابس والأحذية) كانت ترسل من قبل الناس إلى جبهات القتال.

في المعركة كان هناك عدد قليل من أسلحة (عقدة اثنين)، التي كانت تستخدم من قبل (مقدم عزيز)، (مقدم عزيز) كان يضع المدافع على فخذه ويطلق النار، من ناحية الرصاص كان الوضع سيئاً جداً، لو لم تكن الإرادة موجودة، كيف يمكن محاربة (المدافع والطائرات والدبابات) بالبنادق؟!. 

كان الجحوش هم من يخوضون تلك المعركة أكثر، وإلا فالجنود الذين جاؤوا من مناطق وسط وجنوب العراق لم يكونوا يعرفون مناطقنا الجبلية، الجحوش كانوا يقتلون الجنود أحياناً ويأخذون أسلحتهم ويقولون إن البيشمركة قتلوهم.

بداية المعركة كان الوضع الجوي طبيعياً، لكن لاحقاً بدأ المطر وكان حال البيشمركة مزرياً ولم يكن هناك خبز ليأكلوه (بعضهم بقي ثلاثة أيام بدون خبز). عدد البيشمركة كان كبيراً جداً بدون ملابس وسترات حتى أنهم جميعاً لم يكونوا يرتدون (جوخ) وملابسهم كانت مليئة بالمئات من الرقع، و(الأحذية) كانت (أحزمة عقراوية)، 

 مرة (أنا و هاشم ميروزي) في (قرية كاني بوتي) زرنا (ملا مصطفى) وأعطانا بدلتين من الملابس الخاكية وقال "هذه ملابس البيشمركة"، عندما أتينا بالملابس الخاكية، كان كل البيشمركة ينظرون إليها ويسألون عن نوعها. (الملابس الخاكية) كانت في البداية سراويلها واسعة، لاحقاً قمنا بقصها بأنفسنا وقامت النساء بتضييقها بالإبرة والخيط.

عندما عبرنا نهر شين وتركنا منطقة بارزان، كان البيشمركة مقسمين على عدة (أفواج) تحت إشراف كل من (محمد أمين ميرخان، هاشم ميروزي، حسو ميرخان دولمري، أسعد خوشوي، عيسى سوار، ...إلخ)، الأفواج كانت تتكون من ١٥ إلى ٤٠ شخصاً، بعد أن تراجعوا عن قرار الذهاب نحو (سوريا).

 (ملا مصطفى) أبقى عدداً من قواته في (بادينان) بقيادة (أسعد خوشوي) وعاد هو إلى حدود (سوران) وعاد معه كل من (نادر هورامي وعبد الله آغا بشدري) إلى حدود (بالكايتي) وأرسل جزءاً منها بقيادة (مقدم عزيز ومحمود كاواني) إلى (جبل سفين)، حتى أن (جيش ملا مصطفى) وصل إلى مناطق (داروخان) حدود سلطة (حمه رشيد خان) وحتى جنوب كردستان وجلس (ملا مصطفى) نفسه في (بالكايتي).

عندما عبرنا (نهر شين) وصلنا إلى قرى (سرزيري وكاني بلافي وبيدهي و...إلخ)، في (قرية سرزيري) الحدودية (تركيا-العراق) واجهنا جحوش المنطقة. في تلك المعركة التي خضناها في (سرزيري)، كان لدينا جريحين فقط وكلاهما كانا من أقارب (محمد أمين ميرخان) وفقط الجحوش واجهونا، في النهاية لم يستطيعوا القتال حتى لساعتين، لأن عدداً من قواتنا دخلوا إلى داخل الحدود التركية والتفوا عليهم وتم القبض عليهم جميعاً، ونتيجة لذلك هربوا إلى داخل حدود (الحكومة التركية). أما الناس العاديون فبعضهم هرب ودخل مع الحكومة وبعضهم بقي معنا وعشنا معاً.

استمرت قوتنا في مسارها، نحو مصير مجهول، كان البيشمركة قد ربطوا مصيرهم بمصير (ملا مصطفى). بعد (بيدهي) توجهنا نحو (قرية هروري) التابعة لـ (عشيرة برواري جوري)، قرية (أحمد شانه) واستقبلونا استقبالاً حاراً جداً، وقام أهالي القرية بخدمتنا بكل الطرق، وكان (النساء والرجال) عوناً لنا وأدخلوا السرور إلى قلوبنا بسبب ثورتنا، وبقينا عندهم لفترة طويلة، حتى وصلنا إلى نهر (دجلة) في (فيشخابور وديربون). قطعنا ذلك الطريق لمدة شهرين حتى وصلنا إلى نهر (دجلة) وحدود دولة سوريا، ثم قام (ملا مصطفى) بتقسيم جيشه إلى عدة أجزاء ووزعهم على مناطق كوردستان، من (زاخو) وحتى (خانقين).  

نزع سلاح فوج من الحكومة العراقية في كلي زاخو - عام 1962

في ربيع عام 1962 جاءتنا رسالة تفيد بأن فوجاً من الحكومة العراقية سيخرج فجر الغد من زاخو متوجهاً إلى (دهوك). كنا 300 بيشمركة، انطلقنا في الساعة 4 فجراً وسيطرنا على جانبي طريق (كلي زاخو)، في ذلك الجزء من الطريق الذي يصل إلى (سهل سليفانا) وينهي (كلي زاخو)، قمنا بحفر الطريق الرئيسي بـ (الفأس والمجرفة) بعمق وعرض مترين، ولأن الطريق كان معبداً بالزفت، عندما كنا نضرب الطريق بـ (الفأس) كانت النار تتطاير منه، لكن من جهة زاخو لم نلمس الطريق. 

انطلق فوج الحكومة العراقية وخرجوا من مركز مدينة زاخو وعبروا الكلي، ووقعوا في كميننا، حينها عرفوا أن الوضع قد خرج من أيديهم، وبقوا داخل سياراتهم بصمت دون أن يبادروا بأي شيء، سيارة تلو الأخرى توقفت. أطلقنا النار عليهم من كل جانب، لم يبق لديهم شيء، لذا جلسوا في أماكنهم بصمت دون أن يطلقوا رصاصة واحدة، وكأن لا إنسان ولا سيارة واحدة موجودة في الكلي، حتى أضاء النهار قليلاً، حينها أطلقوا بعض النار وألقوا بأنفسهم من سياراتهم إلى الأسفل تحت الإطارات وشجيرات الطريق، ونحن من جانبي الكلي كنا نراقبهم من فوق رؤوسهم ثم هجمنا عليهم، صعدت إلى سيارة وكان صوت المذياع لا يزال يعمل، نظرت فإذا بالمذياع ملقى على صدر جندي قتيل وهو يعمل وقد أصابت رصاصة رأسه.

استمرت المعركة من الساعة 5 صباحاً حتى الساعة 8 مساءً، استشهد من البيشمركة (ياسين رشيد ميروزي وقادر إسماعيل سيلكي وصبري عبدي ممودي) وكان لدينا عدد من الجرحى، ومن العدو قُتل أكثر من 10 جنود وأسرنا عدداً منهم وأطلقنا سراح بعضهم في نفس الوقت، وأحضرنا ضباطهم من (رتبة واحدة حتى آمر فصيل) معنا، وأخذنا كامل سلاح وعتاد الفوج، حتى قرى (بيزهي وبيتاسي)، ثم نقلنا الأسرى إلى (ملا مصطفى) في بالكاية، وأما السيارات العسكرية التي كان عددها 60 سيارة، فقد أحرقناها جميعاً. بعد معركة (كلي سبي) زاد عدد سلاحنا وعتادنا، وكل سلاح كنا نحصل عليه كنا نخفيه في كهوف (منطقة ليفي). 

لاحقاً جاءت الحكومة من جهة (دهوك وزاخو) لنجدتهم، وعندما وصلوا إلى كلي زاخو رأوا السيارات تحترق ولا يوجد أحد. بعد ذلك الكمين الذي نصبناه في كلي سبي، بدأنا بالهجوم للسيطرة على مرابض الكلي.

في صيف 1962، عدد من بيشمركة عشيرة (مزوري جوري) بقيادة (عيسى سوار و هاشم ميروزي)، شنوا هجوماً على مرابض (كفرينك) التي كانت تطل على الطريق الرئيسي لـ (زاخو) وتمكنا من أسر عدد من الشرطة والاستيلاء على كمية من السلاح.

كانت ليلة مظلمة، صعدنا نحن البيشمركة واحداً تلو الآخر كالسلسلة فوق (جبل بيخير)، لكي لا ننفصل عن بعضنا، وأي رسالة أو كلام كان لدينا كنا نهمس به بسهولة في آذان بعضنا، دون أن يشعر بنا العدو، استمررنا حتى وصلنا إلى مرابض (كفرينك)، وبهذه الطريقة وصلنا إلى أسفل المرابض، دون أن يشعروا بنا، كنت قد وصلت إلى (خيشة) مربض العدو، وكنت أشعر بحركة الشرطة خلف سواتر العدو. 

كانت الساعة 12:30 بعد منتصف الليل، فجأة حدث إطلاق نار، وفي البداية هم من بدأوا، لأنهم شعروا بحركة تحت مرابضهم، لو لم يحدث ذلك إطلاق النار، لكنا وصلنا إلى داخل المرابض دون أن يعلموا بأي شيء. 

المعركة محتدمة، سمعت صوتاً يصرخ (يا أباه). كان (فوزي بيندرويي) قد ذهب مع ملا مصطفى إلى الاتحاد السوفيتي وكان يظن أن المرابض خالية فألقى بنفسه بسرعة داخل المرابض وأصيب بـ (ست) رصاصات، وأنا ظننت أن (هاشم ميروزي) أخي هو الذي يصرخ، سلاح (فوزي بيندرويي) الذي كان من نوع برنو كان ملقى هناك، و(هاشم) كان يظن أن ذلك سلاحي وأنني أصبت، لذا ذهبت للبحث عن مصير أخي (هاشم) وزحفت على ساتر المربض، رأيت (رشاش غرينوف) الخاص بـ (هاشم) معلقاً هناك وشريط الرصاص متدلٍ منه، تملكني خوف شديد من استشهاد (هاشم)، ناديت (هاشم)، فأجابني وقال "(أحمد)، هل أنت هناك؟ ومن هذا الذي قُتل؟" فقلت له "لماذا دخلت إلى مربضهم، وأنا ظننت أنك أنت؟" 

حينها قال "احمني حتى أخرج من المربض، لكي لا يقتلني ذلك الشرطي الذي يطلق النار". كان هناك شرطي يدعى (علي بهارا) داخل المربض، وكان شريراً جداً. ألقى (هاشم) بنفسه خارج السواتر، وجه رشقة رصاص من رشاشه وقطع (حزام) مخازن (هاشم)، لحسن الحظ لم تصبه أي رصاصة، نظرنا فإذا بـ (فوزي بيندرويي) ملقى داخل المربض ومصاب، طلب مني (هاشم) أن أحميه وأن أقف بوجه الشرطي، لكي لا يجهز على جريحنا، وجهت رصاصة نحو الشرطي، لم تصبه، أطلقت رصاصة أخرى عليه فشتم، وجهت الرصاصة الثالثة فأصابته في جبينه وانتهى أمره. 

بعد مقتل (علي بهارا) استسلمت الربايا، ومن كل جانب ألقى البيشمركة بأنفسهم إلى الداخل، حيث كان عددهم ٨ ربايا، وجميعهم كانوا مربوطين ببعضهم البعض، وارتفعت أصوات الشرطة بالصراخ وكانوا يتوسلون كي لا يُقتلوا، وفي النهاية استسلموا جميعاً، كما أنقذنا (فوزي بيندرويي) وبعدها عولج وتماثل للشفاء.

في المعركة قُتل ٤ من الشرطة وأُصيب ١١ آخرون وتركناهم هناك، أما الذين بقوا فقد استولينا على كل ما كان في الربايا من أسلحة، والتي كانت تتألف من (رشاشات و٦ أجهزة لاسلكي وكمية كبيرة من المؤن والعتاد)، ووضعنا شهداءنا وهم (ياسين محمد ديزوي ويوسف سندي) على نقالات وحملناهم مع المعتقلين، حتى ابتعدنا عن الطريق الرئيسي ثم أُطلق سراح الشرطة. دُفن (ياسين محمد ديزوي) في (قرية ههوشنێ) التابعة لـ (ده‌شتا دوبانێ).

لقد سيطرنا على ربايا كه‌رفرینك وأرسلنا غنائم المعركة وشهداءنا، سألت أحد البيشمركة أين (هاشم)؟ قال آخر: "هاشم توجه نحو القشلة"، سألت متى وصلت المعركة إلى (القشلة) ومتى تمت السيطرة عليها؟، قالوا لي: "نعم، لقد سقطت وهاشم ومجموعة موجودون هناك"، انطلقنا ونزلنا إلى الأسفل، كان ضوء القمر موجوداً، حتى وصلنا إلى الطريق الرئيسي وكانت (القشلة) فوق رؤوسنا. صعدنا، وكلما اقتربت أكثر، زاد يأسي من الاستيلاء على (القشلة) حتى وصلت إلى تحت جدارها ورأيت (فانوساً) مضاءً في إحدى الغرف وتتصاعد منه الإضاءة، حينها أيقنت أنه لا يوجد أحد داخل القشلة وأن البيشمركة لم يصلوا إليها.

في الوقت الذي انطلقنا فيه نحو (القشلة)، كان (هاشم) أيضاً في طريق العودة مع كامل القوات وكانوا قد ابتعدوا لمسافة طويلة، كان قد سأل المجموعة عني وأخبروه أنني توجهت نحو (القشلة)، ومهما سأل من الذي قال له أن يتوجه نحو (القشلة)؟ لم يحصل على أي إجابة، أحضر (هاشم) بعض البيشمركة معه وعاد إلى ربايا كه‌رفرینك. كنت أنا وباقي أحمد تحت جدار القشلة، صرخ (هاشم) عدة مرات (أي شخص موجود هناك، فليبتعد، القشلة ستُقصف)، كانت تلك رسالة أرسلها لنا وكررها عدة مرات، وأنا أطلقت رصاصة على الفانوس داخل القشلة، حينها لم أرَ نفسي وبدأ إطلاق النار من كل جانب وعلقنا تحت جدار القشلة، لم يكن العدو يعلم أننا تحت الجدار، لذا طلبت من (باقي) أن ينجو بنفسه، حتى يصل إلى الطريق، ومهما طلبت منه أن يذهب، رفض وكان يقول لي: "أنت اذهب، وفي النهاية قال: "إذا ذهبت ستقول لي أنك هربت"، فقلت له: "أنت اذهب ولن أقول ذلك". في النهاية هرب (باقي) ولم يحدث له شيء حتى وصل إلى الطريق الرئيسي، حينها هربت أنا أيضاً خلفه، حتى التقينا ببعضنا وواصلنا الطريق معاً ركضاً على الطريق ولم نتوقف حتى (حه‌سه‌ناوا). عندما نجونا نادينا (هاشم): (وصلنا إلى الأسفل اقصفوهم... وصلنا إلى الأسفل اقصفوهم...) 

(هاشم) والمجموعة نزلوا إلى الأسفل وسألني لماذا توجهت نحو القشلة؟ شرحت له الموضوع وغضب مني (هاشم) بشدة وقال لي: "لماذا لا تجلس؟!" استمرت معركتنا على ربايا (كه‌رفرینك) (ساعة وثلاثين دقيقة) ودفنا جثمان الشهيد (يوسف سندي) في قرية (حه‌سه‌ن ئاوا) وعدنا إلى مقراتنا في (منطقة لێفێ)، حيث كنا في معظم قراها بأسماء (بێزهێ وبێتاسێ وأه‌رمشتێ).

بعد أن أسسنا المقرات، كنا نستلم (المخازن) ووضعنا أفران الخبز وكان الطعام يُقدم لنا في المقر أيضاً، لأنه لو لم نستلم (المخزن)، لما استطعنا تدبير أمورنا، رغم أنه حتى ذلك الوقت، وخاصة في المفارز، كان طعام وشراب البيشمركة على القرى، ولكن في معظم المقرات الرئيسية كان الطعام يُعد، وكانت مخازننا داخل كهوف (بێتاسێ وبێزهێ وأه‌رموشتێ). مقر فصيل (هاشم ميروزي) كان في (قرية بێتاسێ) وكان (عيسى سوار) يجلس في (بێزهێ)، تلك المرتفعات التي كانت تصل إلى حدود عشيرة (دۆسكی ژۆری) كانت تُحمى من قبل فصيلنا وكانت المرتفعات مهمة جداً واستراتيجية، لو استطاعت الحكومة السيطرة عليها، لما استطعنا البقاء في المنطقة.

إلى جانب الشؤون العسكرية، كان لدينا سلطة إدارية، وإذا كانت هناك مشكلة (اجتماعية، إدارية، اقتصادية) كانت تعود إلينا ولحلها كانت هناك عدة إجراءات نتخذها، كي لا تتكرر. كان المجرم يُعاقب وفقاً للجريمة التي يرتكبها، حتى لو كانت لدينا معلومات عن وجود علاقة استخباراتية بين شخص وحكومة العراق، كنا نعتقل الشخص وكان عقاب هؤلاء الأشخاص (الموت). 

(هاشم ميروزي) في مقره في (بێتاسێ) كان لديه كاتب يدعى (عبد اللطيف باتيفي) وكان لدى (عيسى سوار) أيضاً كتاب، كان عمل هؤلاء (الكتاب) كتابة الرسائل والبرقيات بين جبهات القتال مع تسجيل المعارك والتاريخ والمكتسبات، ولكن بسبب ترك السجلات في الوقت الذي كنا نهزم فيه في معركة ونترك مقراتنا، كانت تلك الكتابات تقع في أيدي العدو في كثير من الأحيان، وأحياناً كنا ننقلها معنا. 

معركة باتيفا في عام ١٩٦٢

كانت حكومة العراق تريد السيطرة على طريق (خيزاوا- باتيفا) ولمدة ١٤ ليلة ويوماً من القتال المستمر، لم يُترك الطريق ولم يُسمح للحكومة بالوصول إلى (باتیفا). يوماً ما عندما كانت قواتنا بقيادة (هاشم ميروزي) في حدود عشيرة (سندي) وصلتنا رسالة، حكومة العراق بقيادة (مجيد سبعاوي) تريد التقدم من (زاخو) نحو (باتیفا). (مجيد سبعاوي) الذي كان من أهالي (الموصل)، كان يرتدي حذاءً (بلاستيكياً) مثل البيشمركة وكان قد وعد ألا يعود حتى يلقي القبض على (هاشم ميروزي) بيديه.

صيف ١٩٦٢ بسبب الحرارة لا يستطيع أحد الوقوف تحت الشمس ولم يتم حصاد (العدس) بعد، كل من قادة الفصائل (علي علي وعلي هالو و هاشم ميروزي وعبد الرحمن دينو وعبد الكريم حامد) معنا ونحن حوالي ٤٠٠ بيشمركة، (باتيفا) تحت سيطرة البيشمركة و(زاخو) تحت يد حكومة العراق، بين المدينتين وفي وديان وسهول ومرتفعات تلك المنطقة وضعنا جبهة القتال وبأسلحة (برنو وكلاشينكوف وإنجليزي ورشاش) منعنا تقدمات الحكومة العراقية.

كانت أسلحة حكومة العراق (طائرات ودبابات ومدافع وجميع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة) التي تدعم لواءً عسكرياً واحداً والجاش، لمدة ١٤ ليلة ونهاراً كانت تهاجم لكي تفتح طريق الوصول إلى (باتيفا) و(هاشم ميروزي) أيضاً يعتقلوه، كانت قياداتنا قد وضعت خطة ناجحة. كانت الحكومة تأتي عبر الطريق الرئيسي وكان البيشمركة قد سيطروا على جانبي الطريق الذي تحيط به التلال والمرتفعات والوديان، وفي كلا جانبي الطريق كنا قد أنشأنا خنادق، وأيضاً كانت هناك صخور كثيرة، كان البيشمركة يختبئون تحتها.

تقدمت الحكومة عبر الطريق و(الجاش) في الحواف، واجه البيشمركة والجاش بعضهم البعض في الشعاب والتلال وبدأ القتال، اضطرت الحكومة للبقاء في الطريق ولم تستطع التقدم. بعد أن لم تستطع التقدم وبقيت لفترة طويلة في الطريق وقتل منهم عدد كبير، اضطروا للانسحاب إلى (زاخو). كان أحدهم ينظر إلى جبهة القتال بالمنظار، قال لي صديق لي "هل تعرف من هذا الجندي الذي ينظر إلى القتال بالمنظار"، فقلت له "لا لا أعرفه، ولكن أنت أيضاً انظر إليه بالمنظار وسأطلق عليه رصاصة". كان معي سلاح برنو وقناص دقيق جداً، وقفت أمامه وصديقي ينظر بالمنظار، أطلقت الرصاصة الأولى فسقط مباشرة وقال صديقي "قتلته وسقط منظاره!"، ركض الجنود والناس الذين كانوا هناك نحوه ووصل الإسعاف على عجل، وفي اليوم التالي تبعناهم، لم يكن أحد يعرف ماذا حل بهم وعادت الدبابات، قتل آمر لوائهم (سبعاوي)، في اعتقادي أن الرجل الذي أطلقت عليه الرصاص هو (سبعاوي) نفسه، لأنه فور إصابته تجمع الجنود من كل جانب ونقلوه إلى (زاخو) وانسحبت الحكومة. مرت عليهما يومان، عادوا بنفس طريقة المرة الأولى وأعادوا وضع جبهة القتال.

دافعنا لمدة ١٤ يوماً متواصلة، في اليوم ١٥ لم يبق لدينا أي فرصة وفتحنا الطريق للحكومة، لكي تأتي وتصل إلى (باتيفا)، كان البيشمركة متعبين جداً ومضطربين، قلت لـ (هاشم) "لم يبق أحد في جبهة القتال"، قال "كيف؟"، قلت "بقي معنا ٦٠ بيشمركة، أما الآخرون فقد ذهبوا". 

 ثلاثة أيام كان (هاشم ميروزي) أخي يؤخذ إلى الطبيب لكي تنظف أذناه من دخان بارود المدافع وصواريخ الطائرات، كان (هاشم) يدافع على تلة، كانت محيط ربايته كلها أماكن سقوط مدافع وكان النار مستمرة فوق رؤوسهم، ولم يترك مكانه بأي شكل من الأشكال. 

وفقاً لمعلوماتي استشهد في المعركة ٤٠ بيشمركة من عشائر (سندي وكولي مزوري جوري)، لا أتذكر سوى (مسعود حاجي صادق كولي)، استشهد ٣ من البيشمركة (أحدهم سبيندري وآخر ديزوي وآخر لا أعرف من أي قرية كان)، وقعوا في أيدي الجاش وأشعلوا ناراً وألقوا الثلاثة في النار.

في النهاية لم يبق لدينا أي خيار، سوى الانسحاب وفتح الطريق للحكومة العراقية. كان لدينا عدد كبير من الجرحى في المعركة منهم ((حاجي عيسى ميروزي وصبري سيتو كويزي و٢ من الديزوي ومعهم ٤ جرحى آخرين))، فقط في مزوري جوري كان لدينا ٨ جرحى، عدا عن عشائر (سندي وكولي) كان العدد كبيراً جداً.

وفقاً لرواية أهالي (زاخو)، كيفما تسقط الجثث، بنفس الطريقة كانت تصل جثث قتلى الحكومة العراقية إلى (زاخو)، لأن الجنود كانوا غير محترفين جداً، عندما كان يتم الهجوم، كانوا يسلكون الطريق ويتقدمون بجانب الدبابة، حينها كنا نقف أمامهم ونقتلهم جميعاً.

 كانت (هليكوبتر) الحكومة العراقية تقاتل بـ (سلاح الرشاش) واستشهد الكثير من البيشمركة لدينا على يد تلك (الهليكوبترات)، لأننا لم نكن نملك أي سلاح يذكر لإصابتها، لذا عندما كانت تصل الطائرة، كنا نستطيع فقط الاختباء، لكي لا تعرف مكاننا وتقوم بالقصف. 

في معركة (باتيفا) كانت حكومة (سوريا) تساعد حكومة (العراق) جوياً، مع عودة الهليكوبتر، كنا نعرف أن الطائرات الحربية ستهاجم، كانت طائرتان ميغ روسيتان و٢ سوريتان تقصفاننا باستمرار، كانت تلك الطائرات تتحرك بحرية ولم تكن تبالي بنا، كانوا يعرفون أننا لا نملك أي سلاح يذكر لنقاتلهم به، في ذلك الوقت لم نكن نستطيع القيام بحرب جوية بأي شكل من الأشكال، ما كنا نفعله هو حرب أرضية، حتى أن البيشمركة كان يغطي (نصل) سلاحه بقطعة قماش لكي لا يلمع ويظهر للطائرة.

كانت هجماتهم تبدأ أولاً بالقصف المدفعي، ثم تقصفنا الطائرات وبعدها يبدأون الهجوم الأرضي، بعد أن لم تبق لدينا فرصة وفقدنا القدرة على الدفاع، فتحنا الطريق للحكومة العراقية ووصلوا إلى داخل (باتيفا).

بعد أن خيم عليهم خطر قدوم فصل الشتاء وكانوا يعرفون أنه في ذلك الفصل ينقطع طريق التنقل بين (زاخو-باتيفا)، بسبب تساقط الثلوج والأمطار الغزيرة، وبعد أن اتفقنا مع أهالي (باتيفا) الذين كان أغلبهم ينتمون لعشيرة (كولي) وطلب (حاجي صادق كولي) المساعدة من البيشمركة وقال "إذا ساعدتمونا، نستطيع إخراج (باتيفا) من يد الحكومة"، بقليل من القتال، لا يمكن حتى تسميته قتالاً، انسحبت الحكومة العراقية إلى (زاخو) ولم تعد أبداً. 

كانت الحكومة تعرف أنها لا تستطيع البقاء في (ناحية باتيفا)، لأن الناحية كانت تقع بين (جبل) عالٍ وبعيد، كان على الحكومة أن تسلك طريقاً عبر سهل واسع وعريض حتى تصل من (زاخو) إلى (باتيفا).

 كان الوضع للحكومة سيئاً جداً، لولا مراكز المدن، وإلا فإن كل السهول والجبال والقرى كانت بيد البيشمركة، ٨٠ قرية في المنطقة كانت بالكامل تحت سيطرتنا.

كانت مساعدات أهالي (باتیفا) سبباً في دخولنا الناحية دون خسائر، وتراجعت الحكومة أيضاً. كان (حاجي سادق گولي) صاحب نفوذ في (ناحية باتیفا)، وكانت هناك سابقاً مشاكل وعداوات بين عشيرتي (گولي و سندی)، لذا لم يرغبوا في دعم (السنديين)، لكن مع ثورة أيلول ومعارك تلك الفترة قمنا بالصلح بين العشيرتين، فساعدنا أهالي المنطقة من كل جانب، ونحن أيضاً رسخنا أقدامنا وبدأنا بإدارة المنطقة عسكرياً وسياسياً، وعشيرة (گولي) قدمت لنا لاحقاً مساعدات جيدة، حتى أن ابن (حاجي سادق گولي) الذي كان اسمه (مه‌سعود) استشهد في معركة (باتیفا).

كانت (باتیفا) لا تزال تحت سيطرة الحكومة (العراقية)، وفي صيف عام 1962 قيل ذات مرة إن شخصاً ظهر باسم (سه‌بری چنوكی) ويريد الوصول إلى قوات البيشمركة بحيل مختلفة لإلحاق الضرر بالبيشمركة. وصلتنا رسالة بأن (سه‌بری) أحضر معه بعض الرجال وأرسلهم (بەشار ئاغا) إلى قرى (په‌ره‌خێ و مێرگه‌شیشێ) الحدودية وعلى حدود عشيرة (سندی)، ووعدوهم بمكافأة إذا ألحقوا الضرر بالبيشمركة، وصلت معلومات عن تحركاتهم، وطلب مني (هاشم مێرۆزی) وقادتنا أن آخذ بعض البيشمركة وأتعقبهم وأظهر نفسي مثلهم وأقضي على مجموعتهم.

أخذت معي كلاً من (باقی ئه‌حمه‌د مێرۆزی و عه‌بدوڵڵا عه‌لی و ئیبراهیم كوڕانی) مع 4 من بيشمركة (سندی) وواحد من (الفلة) يدعى (سولاقه‌) ليكون دليلاً لنا، وانطلقنا حتى وصلنا إلى (قرية په‌ره‌خێ) وجلسنا في منزل واسترحنا وقدموا لنا (عنب الطائفي). سألنا صاحب المنزل "من أنتم؟"، قلت له "نحن جماعة (بەشار ئاغا)"، كنا قد تظاهرنا بأننا مثل الجحوش (الموالين للحكومة) وكنا نضع الشماغ (الأزرق) على رؤوسنا، لم يشعر صاحب المنزل بنا وقال "بما أن الأمر كذلك، فإن جماعة منكم موجودون هنا أيضاً"، قلنا "من هم وأين هم؟"، ذكر اسم (سه‌بری چنۆكی) فقلت "نحن أيضاً جئنا خلفهم، إذا ساعدتنا وأريتنا مكان إقامتهم سنشكرك، لكن ليكن ذلك سراً ولا يعلم به أحد، لئلا يقع قتال بيننا ويسفك الدم بسبب عدم المعرفة"، قال صاحب المنزل "هم ضيوف في منزل الليلة"، وأرانا عنوان المنزل.

في الفجر، ومعنا فقط أسلحة (خفيفة)، انطلقنا وحاصرنا المنزل وقتلنا حارسه فوراً الذي كان على (سطح) المنزل، رمى الجحوش أنفسهم من المنزل إلى الخارج وواجهونا من كل جانب، وبعد (ساعة ونصف) من القتال قتلنا منهم ثلاثة كان أحدهم (سه‌بری چنۆكی) نفسه، وألقينا القبض على واحد وهرب خمسة منهم. 

بعد عودتنا، تلقينا الشكر من قبل (عیسا سوار و هاشم مێرۆزی و ... ) وكان البيشمركة يقبلوننا ويشكروننا.

 أحد بيشمركتنا ويدعى (یوسف ده‌لۆ) من أهالي (زاخو)، أصيب بجروح طفيفة في المعركة، وذلك بسبب عدم التزامه بخطة المعركة، لأنني كنت قد قلت لهم مسبقاً: لا يدخل أحد إلى المنزل حتى تنتهي المعركة، لكن (یوسف) لم يتمالك نفسه ودخل، ولم يعرف بيشمركتنا في الخارج أنه من جماعتنا، فأطلق أحدهم النار عليه وأصيب.

بعد أحداث (باتیفا)، انطلقنا إلى (سهل سلیڤانا)، إلى قرى (به‌غلوجه‌ و پێچه‌كێ و په‌ره‌خێ و ئاوزوروكێ و مێرگه‌سۆرى)، وهي منطقة واسعة، وكانوا يقولون إن سهل (سلیڤانا) يتكون من 100 قرية.

ملحمة معركة به‌غلوجه في عام 1962

في خريف عام 1962 كان هناك طريق ترابي يأتي من (نهر دجلة) إلى (قرية پێچه‌ك و به‌غلۆجه‌) حتى يصل إلى (پێشیابیر و دێره‌بین)، وصلتنا أخبار بأن الحكومة العراقية تهاجم الطريق تلو الطريق، ذهبت جماعتنا لمراقبة الطريق الرئيسي وعادوا، وقالوا (الحكومة لن تأتي). لاحقاً تحدثوا عن أنها تهاجم من الطريق (الترابي) لـ (دجلة-پێچه‌ك-به‌غلوجه‌).

كانت الحكومة تتقدم من ذلك الطريق وتريد الوصول إلى (پێشیابیر و دێره‌بین و به‌رزێبارا و شیناوا) حتى يصلوا إلى (زاخو) وبهذه الطريقة يحاصروننا ولم يبق لنا سوى (جبل بێخێر).

انطلقنا 70 بيشمركة بقيادة (هاشم مێرۆزی) الذين كان أغلبهم من (عشيرة مزووری ژۆری و سندی و گویی)، لمنع تقدمهم ونصبنا لهم كميناً في عدة أماكن من الطريق، واشتد القتال في (قرية به‌غلوجه‌) وشاركت طائرات حكومة (سوريا والعراق) أيضاً.

بدأت المعركة من الصباح واستمرت حتى غروب الشمس، لم نسمح للحكومة بالتقدم ولم تأتِ أي قوة لنجدتهم. كانت الحكومة تهاجم بـ 40 دبابة وطائرات وكامل قوات المشاة، كانت (دبابات) العدو تائهة وسط غبار المنطقة وكانوا قد سيطروا على ضفاف نهر دجلة ولم يستطيعوا التقدم، كانت تربة المنطقة ناعمة ورملية، وكان بيشمركتنا قد حفروا بعض الأماكن واختبأوا فيها ولم يكن العدو يعرف من أين يقاتلونهم وكانوا مشتتي الذهن. 

في خضم المعركة، وصلتنا رسالة بأن قوة أخرى للحكومة تتقدم من (مفرق دهوك) إلى (ئاسهێ)، إذا لم نتراجع، سنقع بين قوتي الحكومة ونحاصر وتصبح طريق نجاتنا صعبة. أظلمت الدنيا وتركنا موقعنا وتراجعنا إلى سفح (جبل بێخێر) وقرية للفلة تدعى (مێرگه‌سۆرا) وكان مختارهم شخصاً يدعى (شه‌نێ)، وفي اليوم التالي هاجمت الحكومة القرية وكل من وقع في أيديهم قتلوه وأضرموا النار في القرية، وبحسب معلوماتنا قُتل 60 شخصاً من القرية على يد الحكومة.  

في معركة (به‌غلوجه‌) لم تكن للبيشمركة أي خسائر، ومن العدو قُتل 20 جندياً، لأن بيشمركة واحداً فقط يدعى (حه‌جی حاجۆ خه‌رخۆری) كان قد صوب سلاحه نحو الجنود، وعندما كانوا يريدون النزول من سياراتهم قتل منهم 13. كما استشهد (راعيان) من القرية.

بعد تدمير 3 دبابات للعدو، تركنا (به‌غلوجه‌)، وتمكنت الحكومة من التقدم والوصول إلى (پێشیابیرێ). 

بعض المواجهات والمعارك في عام 1963

كان ربيع عام 1963، كنا 50 بيشمركة بإشراف (هاشم مێرۆزی)، في إحدى الليالي استضفنا في قرية (آسهي) التي تقع على الطريق الرئيسي (دهوك-زاخو)، وصلنا إلى القرية وكان قد طُبخ (ترشك-كفته‌ سۆر)، انتشرنا في القرية وأخذ كل واحد منا مكانه في بيت وفي مكان ما، وقبل أن نبدأ بالأكل، وصلنا خبر بأن الحكومة تشن هجوماً.

كان المطر يهطل بشكل يجعل الأرض والسماء تتحرك معه، وضعوا أمامنا (ترشك-كفته‌سۆر)، وصل خبر هجوم الحكومة، وضعت على عجل كفتة في جيبي ورميت واحدة في فمي، انطلقنا، ننظر فإذا بـ (الدبابات) تقف في السهل بصفوف وبأسلحتها (الدوشكا وكافة أسلحتهم الخفيفة) يتقدمون، ونحن وقفنا أمامهم بأسلحتنا البسيطة التي كانت تتكون من (برنو، إنجليزي، ألماني، غدارة، ورشاش) واحتدم القتال، كان جندي يستند إلى عمود وأطلقت عليه (ثلاث) رصاصات كنيشان، لم تصبه واحدة، ذهبت إليه ووصلت عنده ظننت أنه فارق الحياة، سألته ماذا تفعل ولماذا تقف؟ أخرج القرآن من جيبه وقال "من أجل هذا القرآن لا تقتلني"، ألقينا القبض عليه ونقلناه إلى بيت.

 الدبابات كيفما كانت تأتي لم تكن تخرج من بين الطين، لاحقاً أُشيعت دعاية عن (هاشم) بأنه استطاع ثقب (دبابة) بـ (رشاش)، في حين أن رصاص الرشاش لم يكن له أي تأثير على الدبابة، لكن بسبب هطول الأمطار علقت الدبابات وأصبحت محاصرة، كان الناس يظنون أن هؤلاء هم البيشمركة الذين أوقفوا الدبابات. كان أهالي القرية يدعموننا بكل الطرق، حتى في ذلك الهجوم كان رجل يهاجم (الدبابة) بـ (بندقية صيد مزدوجة) ويحارب الحكومة. استمر القتال من المساء حتى الصباح، كانت الدنيا ناراً ووصل صراخ (الأطفال والنساء) إلى عنان السماء، لم يبق أحد في القرية وخلت تماماً، وفي اليوم التالي وصلت (الطائرات) وقصفتها قصفاً عنيفاً وجلبوا الجرافات والبلدوزرات وهدموا كافة بيوت القرية فوق بعضها البعض.

كان معنا واحد يدعى (خورشيد) وكان ينتمي إلى عشيرة (مزوري جيري) وكان بيشمركة قديراً جداً، استشهد في ذلك القتال، اضطرت الحكومة للانسحاب وتركوا دبابتين في الطين، مهما حاولنا لم نعرف كيف نحرق الدبابتين!. 

ملحمة معركة مانكيشكي عام ١٩٦٣

لقد هاجمنا عدة مرات للسيطرة على (مانكيشكي)، لكننا لم نستطع الاستيلاء عليها، ثلاث مرات كنت أنا بنفسي معهم وانكسرنا وعدنا، دون أن نسيطر عليها. كان رئيس جاش قد تحصن داخل (ناحية مانكيشكي)، وبعد أن دخلنا الناحية بدون قتال، واجهنا رجالاً ونساءً وانكسرت قوتنا وخرجنا من الناحية.

 قبل أن نهاجم للسيطرة على (مانكيشكي)، خضنا في طريقنا عدة معارك مع (الجاش)، لكي يخلوا لنا الطريق، أخيراً استطعنا عن طريق الهدايا والقتال السيطرة على الكثير من مرابط (الربايا) في قرى (بيسفكي وبەڕۆژكێ ومانكيشكي) ثم الهجوم داخل (مانكيشكي)، كان يتوجب علينا ابتكار حيل وخدع مختلفة للسيطرة على الربايا الاستراتيجية، لأن الحكومة كانت تساعدهم وكان من الصعب أن ننجح في كل تلك المعارك والمناطق.

عام ١٩٦٣ في منتصف الليل، بعد أن سيطرنا على المرتفعات المحيطة بـ (مانكيشكي)، وبدون أن تخرج رصاصة من أسلحتنا، وصلنا خفية إلى مركز (مانكيشكي).

بأربعة محاور بقيادة كل من (علي هالو، سليمان حاجي بدريا، هاشم ميروزي وعيسى سوار) وصلنا إلى الأزقة والشوارع وكنا نتجول، بعد بقائنا لدقائق، أُطلقت (قنبلة تنوير) في السماء وانهال علينا وابل من الرصاص وأُطلق النار علينا من كل جانب وأصبح ذلك احتفالاً من الناس، وكلما كنا نناديهم (اخرجوا ولن نؤذيكم)، كان بعضهم يشتم وبعضهم يتحدث بـ (اللغة العربية). في القتال استشهد ٢ من بيشمركة (برواري)، وكان كل من (عبد الله كوراني وإبراهيم كوراني وشيخ سين أرغوشي) معنا أيضاً.

السيطرة على شركة عين زالة عام ١٩٦٣

فكرة السيطرة على (شركة نفط عين زالة) كان يعمل عليها منذ فترة، كان قادة المحاور يريدون إلحاق ضرر بقلب الحكومة، ومن جانب آخر كنا نريد أخذ بعض الأجانب كرهائن، وكانت قد وصلتنا معلومات بأن عدداً من المهندسين الفرنسيين يعملون في تلك الشركة، لذا تم استهداف (عين زالة). وكانت (الحكومة) تصل إليها بصعوبة بالغة وكان يتوجب عليها قطع طريق طويل لكي تأتي لنجدة الشركة، لأنه كان يتوجب على الحكومة المجيء لنجدتها من (شنكال) و(شنكال) كانت بعيدة.

 في حملة الهجوم على الشركة، كان معنا عدد من بيشمركة (الإيزيديين) الذين كانوا شجعاناً جداً وأبطالاً وكان اسم أحدهم (محمودي حمرێ).

في أحد الأيام ذهبت إلى (بيزهێ)، رأيت مسؤولينا الذين كانوا كل من (عيسى سوار وحاجي قادو و هاشم ميروزي وعلي هالو وعلي علي ورؤوف ملاجامي وعبد الكريم حامد وسليمان حاجي بدريا وعلي حاجي بدريا)، مجتمعين ويضعون برنامجاً لكيفية تنفيذ الهجوم وكيفية الانسحاب، كان بعض الناس من (عشيرة غركري) معهم في الجلسة وكانوا يوضحون لهم طرق ومسالك المنطقة.

ربيع ١٩٦٣ انطلقنا حوالي ٣٠٠ بيشمركة ووصلنا إلى نهر (دجلة)، حينها تم التجول على ضفة النهر وتم العثور على مكان للعبور وجلبوا (القرب)، ساعدنا الغركريون كثيراً ووفروا (السباحين والقرب)، لولا مساعدتهم لما تم تنفيذ العملية، الغركريون في الضفة الشرقية للنهر جلبوا لنا القرب وأولئك في الضفة الغربية حمونا.

 حتى عبرنا ووصلنا إلى (عين زالة)، كان البيشمركة يتبعون البيشمركة كالسلسلة خلف بعضنا البعض، لم يكن أحد لا من العدو ولا من الصديق على علم بتحركنا ومسيرنا. 

مهما نظرت، لن تجد تلة في المنطقة، ولمدة يومين كنا نختبئ وسط (حقول القمح) التي كانت قد أزهرت (حينها حاول أن تختبئ وسط حقل قمح كي لا تُرى)، وكنا ننطلق ليلاً حتى وصلنا إلى (عين زالة). تقع خلف الشركة تلة تشبه الجبل، وإلا فإن الشركة كانت مبنية وسط سهل واسع وممتد بلا ساتر أو سياج.

لمدة بقائنا وتنفيذ العملية والعودة، وضعنا كمية من الطعام معنا داخل الحقائب وفي جيوبنا، ورغم أنه كان فصل الربيع، إلا أن المنطقة كانت حارة جداً لدرجة أن الخبز في جيوبنا تحول إلى (عجين).

في الساعة ٨ ليلاً تجمعنا في مكان، على بعد ساعتين من موقع الشركة، ووضعت خطة الهجوم وطُلب من البيشمركة بعد انتهاء العملية أن يعودوا جميعاً إلى المكان الذي تجمعنا فيه.

 كان أهالي (كركري) مرشدينا، بل وكانوا يوضحون لنا أقسام ووحدات الشركة ويشيرون لنا إلى أماكن الاستراحة وغرف الإدارة، ولم تكن هناك قوة حكومية تذكر، لذا استطعنا بسهولة في الساعة ١٠ من ليلة اليوم الثاني أن نهاجمهم. حتى أنهم أنفسهم لم يعرفوا ماذا حدث ومن أين ظهرت تلك القوة وكيف دخلت بينهم بهذه السهولة.  

بأسلحة (برنو، ألماني، إنجليزي، غدارة، ورشاش برين) هاجمنا شركة عين زالة وحاصرناها وقتلنا وأسرنا عدداً كبيراً منهم، بدأنا المعركة من موقع (جهاز اللاسلكي) كي لا يتمكنوا من طلب المساعدة وإيصال خبر الهجوم لأي أحد، ثم دخلنا وسط الشركة ولم نسمح لهم بأي شكل من الأشكال أن يبدأوا بالمقاومة، كان حراسهم قد توقفوا عن الحركة وأصيبوا بصدمة كبيرة.

 لم يبدِ حراس شركة عين زالة مقاومة تذكر، وإلا لكنا قدمنا شهداء، لأنهم لم يعرفوا ما الذي حل بهم وما الذي حدث!. أشار لي أحد رفاقنا إلى (خزنة الأموال) وذهبنا إليها، أطلقت الرصاصة الأولى على قفلها الذي كان بحجم فخذ إنسان ولم يؤثر فيه شيء، أطلقت الرصاصة الثانية فكسرته وفتحناها وكان فيها ثلاثة آلاف دينار، ذهبنا إلى (خزنة) أخرى ولم نستطع كسرها وتركناها.

حصلنا في العملية على عدد كبير من (أجهزة اللاسلكي والبنادق والرشاشات والذخيرة)، ولكن من يستطيع نقلها؟ الأشخاص الذين ساعدونا لم يسمحوا لنا بأخذ حراس الشركة معنا واستخدام الأسرى لحمل غنائمنا، لأنهم كانوا يخشون أن يتم التعرف عليهم، لذا طلبوا منا إما قتلهم أو عدم أخذهم معنا، حينها تركنا صناديق كثيرة من الذخيرة في طريق عودتنا.

 كان ٦٠ شرطياً يحرسون الشركة، أسرنا بعضهم وربطناهم في مكانهم، وأصيب ٨ منهم وقتل ٤، وأنا بنفسي قتلت أحدهم، حيث كان يختبئ داخل أنبوب نقل النفط الذي لم يكن قد نُصب بعد وكان يقاتل بسلاح (غرينوف)، أطلقت عليه رصاصة فصمت.

 في العملية أسرنا (زوجين فرنسيين) كانا يعملان في الشركة، وأخذناهما خلفنا حتى عبرنا (نهر دجلة) ثم نقلناهما بالدواب إلى (بيزهي) ومن هناك أُرسلا إلى (بالكايتي) عند (الملا مصطفى). وفي نهاية العملية أضرمنا النار في كامل الشركة.

بقينا داخل الشركة لأكثر من ٣ ساعات، جمعنا أنفسنا لنعود إلى المكان الذي جئنا منه. عدت إلى مكاننا المحدد، كان (هاشم) قد بقي داخل الشركة، عدت مرة أخرى إلى داخل الشركة، حتى تجمع كل البيشمركة، كان الفجر قد لاح، حينها سارعنا بالدخول وسط (القمح) ثم استقمنا، لئلا نترك أثراً خلفنا وتتبعنا الطائرات.

في الصباح وصلت الطائرات وحامت فوق المنطقة، اختبأنا كي لا يعثروا علينا، أضرمت الطائرات النار في حقول القمح وذلك القمح لم يكن قد اصفر بعد، فكان يشتعل. بقينا بصمت حتى غروب الشمس وحلول الظلام، حينها انطلقنا ووصلنا إلى نهر دجلة، كان الوقت الساعة ١٢ ليلاً، بعض البيشمركة كانوا يجيدون السباحة ونجوا بسرعة، أما الآخرون فبقوا وبحثنا عن (طوافة) لنعبر بها. ولإنقاذنا في نهر دجلة، ساعدنا أهالي (قرية بيجك)، وأحضروا لنا سباحين و(طوافات)، وحتى الصباح كانوا مشغولين بنقل البيشمركة، وفي الصباح وصلت الطائرات وكنا قد أطلقنا جميع الطوافات في الماء، أحد البيشمركة ويدعى (شاهين) لم ينجُ وأطلقت الطائرة النار عليه واستشهد، ووقعت جثته بيد العدو.

بمجرد وصولنا إلى الضفة الشرقية لنهر دجلة، اختبأنا حتى المساء، وليلاً دخلنا (قرية بيجك) وأكلنا الخبز واغتسلنا وانطلقنا حتى وصلنا إلى (جبل بيخير)، كنا نسير من جبل إلى جبل، وكلما وصلنا إلى قرية كنا نأكل الخبز ونستريح. ونقلنا الفرنسيين إلى منطقة (سندي) ثم إلى حدود بالكايتي.

مرت ثلاثة أيام على العملية، بدأت الحكومة بالتحقيق وتتبعت مسارنا، وتبين لها أن أهالي قريتي (بيجك العليا والسفلى) ساعدونا، فسوت القريتين بالأرض، وكان فيهما أكثر من ٣٠٠ منزل، وطردت بعض سكانها وقتلت البعض الآخر. 

ملحمة بئر بيشيا في عام ١٩٦٣ 

 (بيشيا بيري) تقع في مثلث حدود (العراق-تركيا-سوريا) على نهر (خابور)، كان هناك شخص فلاح يدعى (عزيز ياقو)، كان لديه ابن يدعى (جميل). أصبح (جميل) صديقاً لي، طلبت منه مساعدتنا في السيطرة على تلك الربية التي كانت تقع في (بيشيا بيري). قال (جميل): "(أحمد) إذا سيطرتم عليها وحدث فيها قتل، فإن الحكومة ستقضي علينا"، فقلت له: "افعل شيئاً كي لا يقاتلوا، أعدك ألا يُقتل منهم شخص واحد"، مهما فعل استمريت معه وكنت مصراً على طلبي، حتى يساعدنا في السيطرة على الربية، في النهاية وافق وقال: "تعالوا هذه الليلة، ولكن ليتجنب القتل وقد فهمت الشرطة التابعين لي، لا تقاتلوكم، ولكن كيف نحمي الشرطة ولا ندعهم يتضررون ولا تشعر الحكومة بأنهم سلموكم الربية؟" ثم اتفقنا على ذلك، بأن يتم إطلاق نار قليل وأن يسلموا الربية إلى البيشمركة ويترك الشرطة مقيدي الأيدي داخل القلعة.

ربيع ١٩٦٣، تسعة بيشمركة ومعي كل من (باقي أحمد ميروزي وعبد الله كوراني و٤ بيشمركة آخرين من (سندي)). في الساعة (١٢:٣٠) بعد منتصف الليل هاجمنا (قلعة بيشيا بيري)، خضنا قتالاً استمر ساعتين، حتى وصلت إلى داخل القلعة، رأيت شرطياً قد قُتل على يد بيشمركة، قلت له "لماذا فعلت ذلك؟" قال البيشمركة: "لأنه صوب سلاحه نحوي"، أما بقية الشرطة فقد ألقينا القبض عليهم وربطنا أيديهم، وكان هناك بعض الأسلحة والعتاد داخل القلعة والتي كانت تتكون من جهازين لاسلكيين وثلاثة رشاشات برين وأربعة وعشرين صندوقاً من ذخيرة الإنجليزي وعشرة صناديق رصاص إنجليزي وبعض المستلزمات الأخرى أحضرناها معنا. أما الشرطة الذين ألقي القبض عليهم، فبعد ربط أيديهم، تركناهم داخل القلعة مع جثة القتيل.

في عام ١٩٦٣ بعد أن قامت الحكومة العراقية بناءً على طلب الجحوش بالهجوم مجدداً على جبل بيرس وبارزان، كانت خنادق البيشمركة والجحوش في مكان يسمى (ملا). 

(الشيخ عثمان) طلب من (ملا مصطفى) أن يتم نقل (هاشم ميروزي) إلى (بارزان)، سابقاً كان (سعدي قاسم بالاني) مسؤولاً عن بعض البيشمركة في (ملا) وقد تعرضوا لهجوم من قبل الحكومة ولم يقاتلوا، وكان (عثمان) غاضباً منهم، لذا طلب (هاشم)، بعد أن وصلنا إلى هناك، منعنا تقدم الحكومة ولم ندعهم يصلون إلى بارزان.

صيف ١٩٦٣ بعد أن استعدنا مكان (سعدي قاسم بالاني)، هاجمت الحكومة العراقية مرة أخرى ومهما حاولنا تمكنوا من التقدم وأحرقوا (قرية ريشا) وحاول (هاشم) بجهد إطفاء النار، فناديته وقلت له "تعال وأنقذ نفسك، الآن الطائرات تقصفنا، كيف تستطيع إطفاء النار بهذه الطريقة؟".

 بعد فترة قصيرة هاجمنا (الجحوش) بمساعدة بعض المسؤولين الحكوميين وكانوا يريدون الوصول إلى بارزان وحرقها، وضعنا خنادقنا في (ملا) وواجهناهم وقُتل منهم ٨ أشخاص وأصيب عدد كبير منهم بجروح واستشهد ٤ بيشمركة ولم نسمح لهم بالتقدم والوصول إلى بارزان.

كان الجحوش يملكون أسلحة خفيفة ومدافع (عقدة ٣ و٤) فقط، ونحن أيضاً واجهناهم بأسلحتنا الخفيفة التي كانت تتكون من (غدارة وبرنو ورشاش) لمدة ١٢ يوماً، لحسن الحظ لم تكن (الطائرات والمدافع) تساعدهم، لذا عندما علمنا أنهم وحدهم، لم نبالِ وقمنا بمقاومة شديدة، رغم قلة عددنا الذي كان في بداية المعارك بين (٦٠ إلى ٧٠) بيشمركة.

كانت نية الجحوش حرق (بارزان)، لكي تنتهي اتفاقية السلام بين (بارزان والحكومة العراقية).

(الشيخ) أرسل ممثلاً عنه يدعى (ولي) وهو من أهالي قرية (هفنكا) إلى (بغداد)، كان (ولي) جسر التواصل بين (الحكومة وبارزان)، وكانت تحركات (ولي) سرية جداً ولم يكن ينبغي أن يشعر الجحوش بها ويروه، وإلا لقتلوه فوراً.

الجحوش الذين كان عددهم بين ٤٠٠ إلى ٥٠٠ شخص، هاجمونا، بعد أن تدهور الوضع، أمر (خودان) الـ (ولاتژيري) و(شعب بارزان) بشكل عام، باسم (المقاومة الشعبية) أن يأتوا لنجدتنا، في النهاية جاء الناس من كل جانب بأسلحتهم ومستلزماتهم لنجدتنا ووصل عددنا إلى ٤٠٠ شخص.

البيشمركة بقيادة كل من (هاشم ميروزي ونعمان بارزاني) خضنا معركة حياة أو موت ضد الجحوش، في المعركة كان لدينا ٤ شهداء وأصيب (محمد رشيد بابسيفي و٢ من الولاتژيري و٣ آخرين) بجروح ووقع أحد جرحانا في أيديهم وسحبوه خلفهم حتى (بلي)، في (بلي) رفعوا حقيبة جريحنا وأخرجوا منها الكشك وصرخوا، كيف يستطيع هؤلاء محاربة الحكومة بـ (الكشك والحقيبة)؟ بعد فترة طويلة من المعركة، وصلت الرسالة إلى الحكومة العراقية وتدخلوا ووصلوا إلى (بلي) وبأسرع وقت أبعدوا (الجحوش) ولم يسمحوا لهم بالتقدم أكثر من (ملا). عاد (الشيخ أحمد) إلى بارزان ونظم علاقاته مع الحكومة العراقية مجدداً ووعدوه بإعادة إعمار القرية.

بعد أن وصلت المعركة إلى (متينا)، طُلب من (هاشم ميروزي)، أن يذهب إلى تلك الجبهة ويساعدهم في مواجهة الحكومة العراقية، انطلق (هاشم) مع بعض بيشمركته وبقيت أنا في (ميروز) ولم أذهب، في معركة (متينا) ثلاثة بيشمركة من (هاشم ميروزي) استشهدوا بأسمائهم (حاجي عيسى ميروزي وباقي أحمد ميروزي ونعمان ميروزي) وأصيب (هاشم) أيضاً ونُقل إلى (قرية شيوي) التابعة لـ (عشيرة نيرويي)، كان مستشفى الثورة في أحد كهوف تلك القرية وكان (2) طبيبان يعالجان الجرحى، أحدهما يدعى (موشي) وكان مسيحياً مع أحد (السليفانيين)، بعد أن وصلنا خبر إصابته، انطلقت إلى (شيوي)، وكان أقاربنا الذين كانوا في (متينا) قد أرادوا زيارة (هاشم) للاطمئنان عليه، لم يسمح (أسعد خوشوي) لهم بزيارة (هاشم) وهم مسلحون، وكان قد قرر أنه إذا ذهبوا فعليهم ترك أسلحتهم، مهما حاول أقاربنا الذهاب بأسلحتهم، لم يسمح (أسعد) وقال لهم: "إذا ذهبتم فيجب أن تذهبوا بدون سلاح"، وأخيراً وصل أقاربنا إلى (شيوي) بدون سلاح، عندما عرف (هاشم) بذلك الموضوع انزعج واضطرب كثيراً، وطلب إعادته إلى المنزل بأسرع وقت، ورغم أن الناس وأطباء المستشفى طلبوا منه عدم مغادرة المستشفى، إلا أنه أصر على طلبه، ونُقل (هاشم) وهو مصاب إلى (ميروز). 

كانت جروح (هاشم) في (ميروز) تُعالج من قبل (الدكتور محمود عثمان) وبقي (الدكتور محمود) في منزلنا لفترة، لحسن الحظ لم تكن جروحه تحتوي على كسور، كانت مجرد جرح أصاب لحم فخذه، ولكن بعد نقله إلى (ميروز)، تدهور وضعه أكثر وبهمة (الدكتور محمود) تمت معالجته وبقي في الفراش لمدة 20 يوماً.

أحداث عام ١٩٦٤ في حدود قلعة دزة ورانية وحرب البارتي ومجموعة إبراهيم أحمد وجلال طالباني

 

في عام ١٩٦٤ طلب (ملا مصطفى) أن يذهب جزء من قوات (هاشم ميروزي) إليه في حدود (رانية) التي كان يقيم فيها في (سركبكا). ذهبت أنا بدلاً من (هاشم) مع 11 بيشمركة وكان معنا (صالح سعيد شيوي وبشير تيلي ونعمان ميزي ومحو ميزي وطه ياسين ميروزي وحسن خليل ميروزي وعبد الله صالح شيوي... إلخ)، وتم وضع مقرنا داخل مدينة رانية. 

لم يحدث الانقسام في صفوف البارتي بعد، وفي أحد الأيام جاء (جلال طالباني) إلينا وكنا جميعاً كبيشمركة جالسين في (غرفة) بالمقر وكان قد وضع كل يد له على جانب من باب الغرفة وقال "من المسؤول عن هذا المقر؟"، قال له (طه ياسين ميروزي) "أحمد، هو مسؤول مقرنا"، قال "أيكم أحمد؟"، وبعد ذلك نادوني من قبل الجماعة وذهبت إليهم، لم أكن أعرف (جلال طالباني)، قلت له: "تفضل أنا (أحمد)"، قال "أخو (هاشم ميروزي)"، قلت "نعم"، قال "تعال معي"، وقال لرجالي "لا يأتِ أحد منكم، سنذهب ونعود".

 لم أكن أعرف بعد أن ذلك الرجل هو (جلال)، كان لديه سيارة (جيب) وركبنا (أنا وجلال وآخر) خلف السائق وكان الحراس في الخلف، انطلقنا ولم أسأله بعد عن وجهتنا وشخصيته، وبعد أن سألني عن العشيرة والقرية، قال (جلال) "كم أخاً أنتم"، قلت "نحن أخوان"، قال "سأقول لك شيئاً"، فقلت له تفضل، فقال "أنا (جلال طالباني)"، قلت "بدون مزاح أنت (جلال)؟!" قال "نعم أنا (جلال)"، قلت له "حسناً لماذا أخذتني وماذا تريد مني؟"، قال "لدي بعض العمل معك وسأعيدك لاحقاً ولا تخف"، لم تكن هناك أي مشكلة أو نزاع بيننا بعد وكلنا من نفس المنطقة وحتى نحن معهم داخل مدينة (رانية). قال جلال "لماذا تتبعون عائلة (بارزاني)؟ تلك العائلة لا تقوم بالعمل الكردي وهم فقط (شيوخ) ومشايخ وجعلوا أنفسهم أنبياء لكم، أولئك ليس لديهم أي فائدة، المشيخة والعمل الكردي لا يتوافقان مع بعضهما"، (جلال) مستمر في كلامه وقال "(الشيخ أحمد) جعل نفسه نبياً و(ملا مصطفى) ملك طاووس، لذا أنا أهتم لأمركم وأرغب في أن تنفصلوا عن تلك العائلة"، وأنا قلت "إذا انفصلنا عنهم ماذا نفعل؟" قال "الطرق كثيرة وسأخبركم في تلك الليالي ماذا تفعلون"، تحدث (جلال) كثيراً وظل يتكلم حتى وصلنا إلى (سد دوكان)، في (دوكان) كان لديهم عدد كبير من بيشمركة (جلال) ونزلنا وأكلنا شيئاً في مقراتهم وتجولنا وبعد أن انفصلت عنه أخذت معي مباشرة بيشمركة يدعى (طه ياسين ميروزي) وذهبت إلى (ملا مصطفى) في (سركبكا).

(ملا مصطفى) كان ينوي الوضوء، عندما رأوني توقف (ملا مصطفى) وسألني عن تعبي وقال "خيراً من أين تأتي؟"، رويت له قصة (جلال) كاملة كيف جاء إلينا وماذا فعلنا وماذا قال، بعد أن أنهيت كلامي، قال (ملا مصطفى) "في تلك الليالي كونوا حذرين، إذا أغلقوا الباب عليكم وقاموا باستفزازكم، خوضوا حربكم، لا تسلموا أنفسكم، لا تفعلوا أي شيء ولا تكونوا سبباً في نشوب حرب داخل المدينة، لئلا يتحدثوا عنا ويقولوا إن (البارزانيين) افتعلوا حرباً وطردوهم، إذا أرادوا الخروج فليخرجوا بأنفسهم".

(البيشمركة وحكومة العراق) معاً داخل مدينة رانية. في الصباح الباكر، قامت مجموعة (جلال) بتعليق (مكبرة صوت) على سيارة وتجولوا داخل مدينة (رانية) وهتفوا (يسقط بارزاني... يسقط بارزاني...) بعد ذلك الحدث ذهب (جلال) ولم يبق في المنطقة.

(ملا مصطفى) ناداني وطلب مني العودة إلى (ميروز) وأن يذهب (هاشم) مكاني وقال: "بمجرد وصولك إلى المنزل، فليأتِ (هاشم) ولنكتب له رسالة لكي يعودوا عن طريق (رانية-كويه-أربيل)"، وقال لنا أيضاً "أنتم وحظكم، إما أن يعتقلوكم، أو يفتحوا لكم طريق العبور".

في (رانية) استأجرنا سيارتين وصعدنا عبر (هيبت سلطان) إلى (كوية)، وصلنا إلى سيطرة (أربيل) بالقرب من (قوشتبة) فأنزلونا من السيارات، وقالوا: "من أين تأتون؟" قلت لهم: "نأتي من (رانية)"، قال: "ما هذه الفوضى؟ كيف تنطلقون من (رانية) وتأتون بهذا السلاح وبهذا المظهر؟"، قلت له: "سواء كانت فوضى أم لا، فإن السيد (بارزاني) قد أعطانا رسالة"، قال: "أين الرسالة؟" أعطيته الرسالة فقال: "اذهبوا إلى المحافظة"، تقدمتنا سيارة وتبعنا أخرى، حتى وصلنا إلى داخل (أربيل) ومبنى المحافظة، وضعنا أسلحتنا وربطنا أحزمتنا، فنادوني، دخلت، كان رجل عسكري كردي يجلس على الكرسي، وكان كتفه مليئاً بـ(النجوم) العسكرية، قال: "من أي مكان تأتون؟" قلت: "نأتي من (رانية) ونريد العودة إلى مناطقنا"، قال: "كيف جئتم عبر هذا الطريق؟" قلت: "السيد (بارزاني) كتب لنا رسالة"، سأل عن الرسالة فأعطيته إياها، نظر إليها وقال: "كم بيشمركة أنتم؟"، أخبرته بعدد البيشمركة وهو 12 شخصاً وأننا جئنا من كوية بسيارات أجرة، والآن عادت سيارات الأجرة، ثم طلب من جماعته توفير سيارتين لنا ليرافقونا حتى (سبيلك) ومن هناك نذهب بأنفسنا. 

ركبنا سياراتهم العسكرية وانطلقنا حتى وصلنا إلى (سبيلك)، نزلنا، 12 رجلاً يرتدون الشماغ الأحمر ومعهم أسلحتهم، عندما رأى الجنود والجحوش في (سبيلك) حالنا هكذا تجمعوا حولنا من كل جانب وامتلأ محيطنا بالجحوش، وقال أحدهم: "هذا (حسين آغا سورجي)"، بدأ (حسين آغا) بالتحقيق وقال: "من أي منطقة تأتون؟"، قلت له: "نأتي من رانية"، قال: "هل الأمر هكذا فقط؟"، قلت له: "جئنا إلى محافظة أربيل وعدنا بالسيارات العسكرية"، ثم قال: "هل صحيح أنكم تقولون إن (الشيخ أحمد) نبي؟" قلت له بضجر: "ماذااا؟؟؟"، سأل مجدداً: "هل تقولون عن (الشيخ أحمد) إنه (نبي)؟" قلت له: "يا عزيزي تكلم بأدب، أنت رجل كبير، نحن لا نحاكم هنا، لا أنت الشخص الذي يستطيع محاكمتنا، ولا نحن من النوع الذي يحاكمك، نحن مسافرون ونريد أن نمضي في طريقنا، و(الشيخ أحمد) لم يقل لأحد إنه نبي، ألا تريد أن أخبرك ببعض الأقاويل التي تقال عن شيوخ السورجيين؟" قال: "واو، كم هو حاد!!"، كان هناك آمر حكومي، فقال لـ(حسين آغا) باللغة العربية: "دعهم يذهبون، ما شأنك بهم؟"، التفت (الآمر العسكري) نحونا وقال: "ماذا تفعلون؟ هل ستستأجرون سيارات أم لديكم عمل آخر؟" قلت: "إذا كانت هناك سيارات فسنستأجرها، وإذا كنتم ستعطوننا سيارة حتى نصل إلى بوابة (كلي علي بك) فهذا عمل جيد"، أحضروا سيارة عسكرية نوع (زيل) وركبناها حتى (الكلي)، وفي (الكلي) أوقفونا مرة أخرى، وفي سيطرة الحكومة أنزلونا، ثم سألوا سائق الزيل عدة أسئلة، فشرح لهم الوضع، وبعدها طلبني فذهبت إليه وشرحت له كل شيء، قلت له: "نحن جئنا من (رانية) بأمر من (ملا مصطفى)، ولو لم تكن هناك مفاوضات وسلام لما أرسلنا (ملا مصطفى) بهذا الشكل ولما جئنا، لماذا تحققون معنا بهذا القدر؟". انتهينا في (سيطرة الكلي)، ورافقنا جندي، وسلكنا طريق (بالكيان) سيراً على الأقدام، فظهر رجلان وقالا: "هؤلاء (حسن وحسين آغا بالكي)"، تركنا الجندي عندهم وعاد.

سلكنا نحن طريق (ميركسور)، وقلت لجماعتنا: "أخشى من هؤلاء (البالكيان) أن يقطعوا طريقنا في مكان ما، لذا سنمشي اثنين اثنين خلف بعضنا وبمسافة بيننا، وإذا حدث شيء، فلا نقع جميعاً".

قبل أن نصل إلى (هاوديان) أخبرنا أحدهم أن هناك شخصاً في (هاوديان) يقطع الطريق على الناس، انطلقنا ونحن نمشي ونترقب في كل لحظة أن نتعرض لإطلاق نار من جهة ما، حتى وصلنا إلى (ليلولك) وقد حل الظلام، حينها شعرنا بالأمان ونجونا، صعدنا ووصلنا إلى قرية تدعى (كويسكي) تقع مقابل (ميركسور)، توجهنا نحو القرية لنحصل على بعض الطعام، فكنا نطرق كل باب ولا يفتحه أحد، ومهما صرخنا بأننا نحن وأننا من الشعب لم يكن هناك جدوى. سلكنا طريقنا وانطلقنا ونحن جياع، تجاوزنا (كورتو) وحل الصباح. لم تعد جماعنا قادرة على المشي من الجوع، لكننا ضغطنا على أنفسنا ولم نتوقف حتى وصلنا إلى (تامة)، انتشرنا في بيوتها، وأكل كل واحد منا لقمة خبز واستلقينا، غلبنا النعاس حتى حان وقت صلاة المغرب، انطلقنا ليلاً ووصلنا صباحاً إلى خلف (قرية كوران)، حينها ارتحنا تماماً وبدأنا بالمزاح.

وصلت إلى البيت، وقلت لـ(هاشم): "(ملا مصطفى) أمرك أن تأتي إليه". شرحت له قصة ووضع رانية وذهاب (جلال) ورويت له كامل موضوع عودتنا.

المفاوضات مستمرة، (هاشم ميروزي) انطلق مع 7 من البيشمركة إلى (ملا مصطفى)، وبعد البقاء لعدة أيام، كلف (ملا مصطفى) (هاشم) و(عصمت شريف وانلي) بزيارة (جلال طالباني) ومطالبته بالعودة، كان (هاشم وعصمت) قد ذهبا إلى (زيني) على حدود إيران، لم يأتِ (جلال) للقائهما وأرسل ممثلاً عنه ورفض العودة. 

بقي (هاشم) في حدود (رانية) حتى عام 1966، ثم أعطاه (ملا مصطفى) سلاحاً مرة أخرى وقال له: "اذهب إلى (حسو ميرخان دولمري) وابقَ هناك لفترة، ثم سأكلفك بالعمل في مكان (حسو) وسأنقله هو إلى مكان آخر".

كان (حسو ميرخان دولمري) في منطقة شهي، وكانت مناطق (مزوري السفلى) تدار من قبل (غازي حاجي ملو) مثل قرى (خورت وداكان وميرسيدا... إلخ).

 عاد (هاشم) إلى المنزل وأخذ قسطاً من الراحة لمدة أسبوع، ثم انطلق إلى منطقة (شهي)، انطلق مع ٢٥ بيشمركة، وأنا أيضاً ذهبت معهم حتى (عقبة سينا) التي تطل على (نهر شين)، قال لي "هذه المرة ابق أنت في المنزل، وإذا تعبت وأنهكت تعال وبدل مكاني"، قلت له "هذه آخر مرة لك ولن تعود"، قال "كيف لن أعود؟"، قلت له "لا، لن تعود ولن نراك وستستشهد". 

مر أكثر من (شهر) على بقاء (هاشم)، ذهبت لزيارتهم مع ٢ من البيشمركة.

الصيف حار (أنا وغازي حاجي ملو وشوكت) كنا ننزل من شعاب وادي (هسنكا)، لكي نذهب إلى (هاشم ميروزي)، وكان (حسو) أيضاً مع بيشمركته جالساً على تلك الساقية التي كانت تنحدر عبر الوادي وكان مشغولاً بشرب الشاي، وكان الكثير من أهالي المنطقة قد توجهوا إلى ذلك الوادي وبنوا أكواخاً وكانوا يقضون فصل الصيف فيه، وكان الوادي يحتوي على عدة كهوف أيضاً، ولو جاءت الطائرات لكانت هناك أماكن محصنة كثيرة، ولم يكن طريق السيارات يصل إليها من أي مكان، كان يجب المرور عبر قرى (بريفكا) لكي يصلوا إلى مناطق (مزووري جيري) وكان مكاننا بعيداً بحد ذاته.

 شخص يدعى (خالد تلوئي) وهو ينتمي إلى (عشيرة مزووري جيري) وكان مع قوات (حسو ميرخان). وكان (خالد تلوئي) قد تحدث سابقاً بين الناس عن الآغوات وقال "لقد ولى زمن الآغوات والزمن هو زمن (ملا مصطفى) ولا تتبعوا الآغوات".

أنا لست على علم بأي شيء وليس لدي أي معلومات عن تلك الأقوال، عندما نزلنا عبر (وادي هسنكا)، سلمنا على (حسو) وجماعته، نادى (غازي) على (خالد) وقال له "(خالد) ما بالك تتجول بين الأزقة وتقول إن زمن الآغوات قد ولى ولا تتبعوهم، متى قال الآغوات قولاً أو فعلوا فعلاً سيئاً معك؟ متى طلب منك الآغا أن تعمل له سخرة وأن تكيل له المخزن، لماذا لا تمسك لسانك، عيب نحن جميعاً مزووري وأقارب وأهل، لماذا تفعل هذه الأفعال؟"، قال (خالد) "اذهب اذهب متى قلت هذا، أنت تحاول افتعال المشاكل". التفتنا، (شوكت) الذي هو ابن أخت (غازي) وجه سلاحه نحو (خالد) وأطلق عليه رصاصة، وأخرج (غازي) سلاحه من حزامه هو الآخر وأطلق عليه رصاصتين وقتلا (خالد)، نادى (حسو ميرخان) وجماعته على (هاشم) وحدثت جلبة، نادى (غازي) على (حسو) وقال له "(حسو) أنت لن تتعرض للقتل، هذا (خالد) هو من حرضك لتقوم بهذا الفعل، حينها كن مرتاح البال واطمئن، لقد جعلتني أقتل (خالد) وجعلت (مزووري جيري) يتقاتلون، أنت ابق في مكانك ولن نقتلك".

عدنا وقلت لـ (غازي) "لماذا فعلت ذلك؟" قال "الموضوع كان سيصل إلى هذا الحد وكان يجب أن أفعل ذلك، (حسو) جعلني أقتل ذلك الرجل وأنا سآخذ أقاربي وأهلي وأذهب إلى الجبل، وأنتم افعلوا ما ترونه مناسباً". كان (غازي) في مأزق من جهتين، من جهة (البيشمركة) ومن جهة أخرى من (الحكومة العراقية).

بعد تلك الأحداث، ذهب (غازي حاجي ملو) إلى الحكومة العراقية ثم هاجر نحو (أمريكا) وقبل فترة عاد إلى إقليم كوردستان. 

عاد (هاشم)، في صباح يوم كما روي لي، شنت الحكومة هجوماً على (سري أتروش)، يصعد (هاشم) مع بعض رجاله إلى قمة جبل، لكي يستعيدوا الجبل من يد الحكومة، نشب قتال بينهم من كل جانب ويقول أحد البيشمركة لـ (هاشم) ذاك هو العدو وهو يرفع نفسه، تأتي رصاصة وتصيب رأسه ويستشهد في مكانه.

أنا لست هناك ولدي قائمة بطلبات (هاشم) لكي آخذها إلى (ملا مصطفى) وأوفرها لهم، في ذلك اليوم الذي استشهد فيه (هاشم)، في نفس اليوم كنت قد انطلقت من (ميروز) إلى (بالكايتي) الذي يصادف (٦/٦/١٩٦٦)، بقيت ثلاثة أيام في الطريق حتى وصلت إلى (ديلمان)، في ذلك اليوم لم نر (ملا مصطفى) ولم نكن على علم بأي حدث أو كارثة حلت بنا وأن (هاشم) قد استشهد.

بقيت لمدة ١٤ ليلة ويوماً في (ديلمان) ولم يسمح لي (ملا مصطفى) بالعودة، كان يخرج كل الليالي ويجلس تحت الخيمة ويتحدث عن الرجل الشجاع والموت والحياة وكان يقول: "إذا مات الإنسان، فبقاء ذكره بالخير أفضل"، وأنا لا علم لي بأي شيء وكما يقول أهلنا: "لا أعلم شيئاً"، لم أسأل نفسي أبداً، (ملا مصطفى) يريد أن يقول لي شيئاً! في اليوم الـ ١٤ خرج إدريس بارزاني وقال "(أحمد)"، فقلت له "نعم"، في البداية نزلت دموعه، عندما رأيت دموع (إدريس)، عرفت أن (هاشم) قد استشهد، سألني متى جئت من (ميروز)، فأجبته وقال "في ذلك اليوم الذي انطلقت فيه من (ميروز) استشهد (هاشم)، طوال هذه الأيام يحاول (والدي) أن يخبرك، لكنه لا يستطيع بأي طريقة أو لسان يخبرك، أنت أيضاً عد وقد وصلتنا رسالة بأنه ما لم تعد لن تقام مراسم العزاء، وأنا لم يبق لدي شيء وقلت: "هذا طريقنا جميعاً".

استأجروا لي شاحنة ومع كلا قريبي وواحد آخر أرسلوه معي، انطلقنا ٤ أشخاص معاً حتى (ميروز).

(هاشم ميروزي) استشهد في (٦/٦/١٩٦٦) في جبل أتروش ودفن في (قرية هسنكا) التابعة لـ (عشيرة مزووري جيري)، بعد استشهاده جلست لمدة (سنة) واحدة وبقيت في المنزل في (ميروز) وكنت أخدم عائلتي وأطفال عائلتي وأطفال (هاشم). كان طفل (هاشم) الأكبر يبلغ من العمر ١٠ سنوات.

خريف ١٩٦٧ (إدريس بارزاني) طلب مني زيارته. انطلقت من (ميروز) مع ٢٦ بيشمركة، في البداية زرت (الشيخ أحمد) لتوديعه وأخبرته بموضوع الزيارة إلى (گه‌ڵاڵه‌)، ثم انطلقت ووصلت إلى (گه‌ڵاڵه‌) وذهبت إلى إدريس فقال لي "هل تعرف لماذا استدعيتك؟"، قلت "لا، لا أعرف"، قال "البيشمركة معك"، قلت "نعم"، قال "(ملا مصطفى) طلبك ويريد رؤيتك"، قلت "أين ملا مصطفى؟" قال "عند (حمه رشيد خان) في (قرية داروخان)"، قال إدريس "بعض من بيشمركتنا يذهبون سراً إلى (قرية داروخان)، يسيرون عبر حدود حكومة (إيران)، حتى يصلوا إلى (ملا مصطفى) وأنت ستذهب معهم"، في ذلك الوقت كانت حكومة (إيران) تساعدنا وقواتنا كانت تتنقل داخل أراضيهم، قلت "حسناً سأذهب"، قال "خذ معك بيشمركة واحداً فقط، وليبقَ الآخرون هنا حتى تعود، سنضعهم في (قرية سيدكان)، لمنع مفرزة الجاش، وكلما عدت وقام (ملا مصطفى) بأي أمر، سيبلغني أيضاً".

مرت (خمسة) أيام، تم تجهيز القافلة، حوالي ٢٠٠ بيشمركة، ركبنا السيارات بدون سلاح وانطلقنا إلى (سردشت وبانه) حتى وصلنا إلى (قرية داروخان) قرية (حمه رشيد خان)، كان (حمه رشيد) قد تقدم في السن وكان طريح الفراش في المنزل، وكان أحد أبنائه المدعو (أنور بگ) يجلس مكانه.

عندما وصلنا إلى (داروخان) استقبلنا (مقدم عزيز) ورحب بنا ووزع البيشمركة، أخذني معه وبقيت عندهم لمدة ٤١ يوماً و(ملا مصطفى) معنا، كنا نخرج نهاراً ونعود ليلاً إلى قصر (حمه رشيد خان).

البيشمركة الذين كانوا معنا والذين كانوا هناك سابقاً، كانوا يدخلون جنوب كردستان عبر (إيران) إلى (بنجوين) وهناك ينفذون عمليات عسكرية ضد حكومة العراق. 

انتكاسة ثورة أيلول العظيمة في عام ١٩٧٥

فشلت الثورة وبقيت في (ميروز) حتى عام ١٩٧٧، نزح أصدقائي ورفاقي إلى إيران، بقيت وحيداً في القرية، تم تثبيت فوج عسكري كامل في (قرية ميروز)، عاد الجاش إلى القرية وكانوا يسببون لي المشاكل، وكانوا يشتكون علي باستمرار، بحجة أن لي علاقة بـ (ملا مصطفى)، وضعوا أعينهم علي وكانوا يبحثون عن فرصة لإلحاق الضرر بي.

مرة جاءني (رئيس جاش ومعه ضابط كردي من أهالي رواندز يدعى صبحي وآخر عربي يدعى رائد محمد)، أشار لي (صبحي) بأن أهرب، لأن خطة اعتقالي قد وضعت، حتى أن (رائد محمد) كان قد قال لـ (صبحي) أن يبلغني بالمحاولة التي تجري لاعتقالي.

في (ميرگه‌سور) أرسلوا في طلبي وكان هناك ضابط (عربي) وآخر (كردي) من أهالي (آمدي) وكان الكردي سيئاً جداً وغير محترم، في الانتفاضة بحثنا كثيراً عن الضابط الكردي من (آمدي)، لنقتله، لكنه اختفى. 

بعد أن ساء الوضع تماماً، بنيت منزلاً جديداً، لكي لا يشعر الناس بأنني سأترك (ميروز)، جاءني (رائد محمد) وقال "ماذا تفعل؟" قلت له "أبني منزلاً"، قال "لماذا تفعل ذلك لا فائدة منه، اذهب"، قلت "حسناً حسناً". أرسلت خبراً إلى (القيادة المؤقتة للحزب) وأرسلوا هم بعض (الأرگوشي) لمساعدتي وتهريبي وكان من بينهم (مجيد أحمد أرگوشي وعلي مصطفى أرگوشي) وكان معهم عدد من البيشمركة الآخرين، ليلاً تم نقل أمتعتنا، أخذنا فقط حمل (بغل) واحد، وكانت بضعة مستلزمات قليلة وتركنا كل شيء.

 كنا ١٧ شخصاً فقط أنا وعائلتي وهاشم، انطلقنا، وفي الصباح وصلنا إلى (گه‌لی بارانی) وفي ذلك اليوم اختفينا تماماً في ذلك الوادي وأكلنا بعض الطعام، حل الظلام، انطلقنا وصعدنا حتى وصلنا إلى خلف (ماواتا) ومن هناك عبرنا النهر حتى وصلنا إلى (قرية أردوێل) وبقينا في منزل (فه‌قۆ أردوێلی) و(مستۆ أردوێلی) لمدة ثلاثة أيام، ثم أحضرت (القيادة المؤقتة) شاحنات ونقلوا عائلتي وأطفالي إلى (هه‌ركێ) وتم إسكاننا داخل قصر (حسين آغا الهركي). بقينا هناك لمدة عام، ثم وصل أقاربنا مثل (صالح مصطفى وحاجي محمد أسعد وحاجي رمضان) في قرية (ساتێ) بشمال كردستان-تركيا وطلبوا مني الذهاب إليهم والعيش معهم، نقلوا عائلتي وأطفالي إلى (ساتێ).

بقينا لعدة سنوات في قرية ساتێ وكنا نمارس التجارة وحصلنا على عدد كبير من المواشي وبهذه الطريقة كنا ندير حياتنا، وبالنسبة للبيشمركة (كنت أبقى ١٥ يوماً في المنزل وأبقى (شهراً) واحداً في (هه‌ركێ)، في عام ١٩٧٧ كان دوامي كبيراً في (مقر القيادة المؤقتة للحزب) في (هه‌ركێ) وكان مسؤولنا (سه‌ربه‌ست)، وكانت السلطة الأولى لـ (القيادة المؤقتة) تحت يد (سامي عبد الرحمن)، الذي كان يسمى أحياناً بأسماء (دارو والنهر... إلخ)، وكان كل من (سليم، ملازم محمد وملازم علي وأبو عنتر وعبد الله ريشة) مسؤولين أيضاً وكانوا يجلسون في (هه‌ركێ).

مرة طلب مني (سامي عبد الرحمن) تنفيذ عملية عسكرية في (ميروز) وطلب مني عدم إلحاق الضرر بالناس العاديين، وأن نحارب الحكومة فقط.

(أنا وفتحي سليم أرگوشي) انطلقنا ومعنا عدد من البيشمركة وكان (رحمان خه‌م أرگوشي) من بينهم. قبل أن ننطلق للهجوم، تعلمنا من قبل (ملازم نهاد) كيفية رمي وإطلاق الآر بي جي، عندما انطلقنا كنا مجموعتين، مجموعة بإشراف (فتحي سليم أرگوشي وسيسۆ مشۆ گورگۆ) لضرب رباية للحكومة في (قرية بژیان) التي كانوا يسمونها (ملانێ) انطلقوا، والمجموعة الأخرى بإشراف أنا مع ١٥ بيشمركة كانوا يتألفون من كل من (حسين هاشم ميروزي وفهمي شلال ميروزي و...إلخ) ذهبنا إلى (ميروز)، وخططنا للبرنامج بحيث (نحن) إذا لم نضرب الرباية التي داخل (ميروز)، فهم لن يهاجموا رباية (ملانێ).

 قبل أن تغيب الشمس، وصلنا إلى (قرية سلور)، رأينا قطيعاً من الأغنام في (قرية ميروز) وجندياً يرعاها، ركضنا من (سلور) لكي نلحق به ونستولي عليها، حتى وصلنا إلى (قرية سومي)، أبعد الجندي الأغنام. الجندي لم يكن على علم بنا ونحن نحاول الاستيلاء على قطيع الأغنام، مهما حاولنا فقد وصل هو أسرع إلى (بشتكلي) و(مقبرة ميروز)، اقتربنا من (المقبرة)، أوصل قطيع الأغنام إلى مقر (الفوج) ومكان إقامتهم، وفي النهاية أفلت من أيدينا.      

في ربيع عام 1978 وصلت مجموعتنا إلى مقربة من مقر الفوج، الآر بي جي يصل إليها بسهولة، لم نكد نسمع ذلك، حتى أطلقت مجموعتنا الأخرى قذيفة آر بي جي على رباية (ملا) ولم تصبها. عندما سمع الجنود صوت قذيفة الآر بي جي، دخلوا في حالة تأهب في جميع الربايا، والرباية التي كانت مخصصة لمجموعتنا كانت مليئة بالجنود، وضعت الآر بي جي على كتفي وأطلقت قذيفة باتجاه الرباية فدخلت من خلال بابها وانفجرت، لم يعرف أحد ماذا حل بهم! أطلقت قذفتي الثانية على الآر بي جي، ولأنني لم أزل قطعة القماش من أعلى القذيفة، فقد ذهبت وسقطت على سقف منزل في (ميروز) ولم تنفجر، حدث ضجيج وصراخ في كل مكان وتم تجهيز الدبابات وبدأوا بقصف (قرية بژیان)، عندما لم تنفجر قذيفة الآر بي جي الثانية عرفوا حينها أننا تحت رباياهم، بدأوا بإطلاق النار وقصف المدافع باتجاه مجموعتنا، وفي النهاية لم يجد أحد منا الآخر، ركض كل منا في اتجاه.

حل الليل وهطل المطر، زحفنا إلى الأسفل، وقفت الحكومة في مواجهة (هوكل، سلور، روين، مقابل ميروز وبژیان) وقصفتها وأضرمت النار في كل مكان، لم يعرف العدو في أي اتجاه هربنا، إنها قريتنا، لذلك استطعنا بسهولة أن نتوارى عن الأنظار.

كان برنامجنا أن نلتقي بعد العملية في (طاحونة عبيد) في (مضيق سومي)، لأنها كانت مكاناً خفياً وحصيناً جداً ولا يمكن العثور على أحد هناك، بعد أن انتهت عمليتنا، وصلنا إلى داخل الطاحونة. المطر يهطل باستمرار، يا له من مطر! كنا لا نزال داخل الطاحونة، قال بيشمركة: "لقد تركت سلاحي"، سألناه كيف وأين تركته؟ قال البيشمركة: "لا أعرف، بعد أن سقطت ضاع ولم أجده مهما بحثت عنه"، حزنت عليه كثيراً، لأننا لم نخض قتالاً يستدعي أن يترك سلاحه الكلاشنكوف، ولكن ماذا نفعل، قلت له: "لا تحزن ولا تهتم". 

المكان الذي كنا فيه هو وادٍ لا يظهر في أي مكان، لذلك أشعلنا ناراً، وبعد فترة رأيت عمود الطاحونة قد انفصل عن الجدار، صرخت في الجماعة وقلت لهم: "انهضوا الطاحونة انهارت"، لحسن الحظ سقط سقف الطاحونة فوق رؤوسنا باتجاه النهر، دون أن تتساقط علينا ذرة تراب واحدة، حينها بقينا بلا ساتر تحت المطر وبدت السماء واضحة للعيان، انطفأت نارنا وبقينا تحت المطر، لحسن الحظ لم يصبنا أي مكروه وخرجنا بسلام من تلك الكارثة.

تلك المعركة التي خضناها في (ميروز)، استمرت 40 دقيقة فقط، لكن قصف الحكومة استمر حتى الساعة 12 ليلاً، وبحسب المعلومات التي وردتنا فإن الـ 13 جندياً الذين كانوا داخل الرباية فقط هم من قتلوا.

بقينا حتى الصباح بلا نار وتحت المطر، ثم انطلقنا ووصلنا إلى مقابل (قرية بياري) التابعة لقبيلة ريكاني، هناك مرتفع يطل على (قرية بياري) ويقع مقابل (قرية ميروز)، وضع فيه جندي من الجيش العراقي رباية ونحن لا نعلم، كان هناك (وعل) أمامنا، أنزلت بندقية البرنو من على كتفي وأطلقت رصاصة عليه وقتلته، بعد قتل (الوعل)، بدأ إطلاق النار من الربايا الموجودة على ذلك المرتفع الذي يقع ضمن حدود قبيلة ريكاني ولم نعد نرى أنفسنا، وصلت جماعتنا بسرعة إلى (الوعل) وأخذ كل واحد منهم قطعة من لحمه لكي نشويها ونأكلها عند وصولنا إلى مكان آمن وبعيد عن نيران العدو.

بعد أن نجونا بسلام من ذلك القصف، لم نتوقف حتى (بزينا)، ثم أشعلنا ناراً وجمعنا بعض الأدوات ووضعنا لحم الوعل عليها وأكلنا حتى شبعنا وعدنا إلى (هيركي).

في نفس العام طلب مني (سامي) تنفيذ عملية أخرى، وأرسلنا بشرط ألا نقاتل في (ميروز)، لئلا نصبح مصدراً للفتنة والفوضى في المنطقة.

انطلقنا بـ 43 بيشمركة تحت إشرافي، وكانوا يتألفون من أكبر عدد من بيشمركة القيادة المؤقتة، قبل أن نصل إلى (ميروز) وصل الخبر إلى الجحوش بأن (أحمد ميروزي) في الطريق وسيهاجمهم، حتى وصلنا إلى (ميروز) هرب الجحوش إلى داخل فوج (قرية كوزي). وفي (قرية سلور) كانت امرأة قد توفيت تدعى (آمينا سيدي) وكان (ملا حسن شيوي) في مجلس عزائها، ذهبنا إلى (سلور) للعزاء، عندما رآنا الناس اضطرب الوضع لديهم، كانوا يسألون أنفسهم كيف جاء البيشمركة إلى قريتهم والحكومة موجودة في كل مكان؟! جمعنا أهالي القرية ومن كانوا في العزاء وأبلغناهم بأننا جئنا للعزاء، وقرأنا الفاتحة، رأيت أن وضعهم كان سيئاً جداً وغير مرتاحين، كانوا منزعجين من رؤيتنا، تحدثت إليهم ببعض الكلمات وقلت لهم: "في القريب العاجل سيتم إخلاؤكم من قراكم وسينقلونكم، لذا ابحثوا عن حل لأنفسكم ولا تضعوا شبابكم تحت أيدي العرب وشجعوهم على الخروج ليصبحوا بيشمركة".

بعد أن انتهينا في (سلور)، انطلقنا إلى (ميروز)، وصلتنا أخبار بأن (ميروز) قد أفرغت، ذهبنا إلى (قرية سبينداره) ونادينا المختار وجمع لنا الناس وتحدثنا إليهم، ثم توجهنا إلى (قرية ديزو) وتحدثنا ببعض الكلمات لأهالي تلك القرية أيضاً. في كل مكان حدث ضجيج وانتشرت دعاية بأن (أحمد ميروزي) قد جمع كل الناس وتحدث إليهم، وبدأت الحكومة بالتحرك.

واصلنا رحلتنا حتى وصلنا إلى (قرية زيت)، رأيت ٢٠٠ إلى ٣٠٠ رجل من (مزوري) هربوا ووصلوا إلينا، سألتهم ماذا حل بكم؟، قالوا "الحكومة تدخلت بيننا، اعتقلوا بعضنا ونحن هربنا، الحكومة قالت لنا "أنتم تساعدونهم، وإلا كيف تستطيعون الوصول إلى قراكم". 

بينما كنا لا نزال في (قرية زيت) وصل إلينا (الملازم يونس والملا أمن بارزاني) في (كلي زيت) وجلبوا لنا المؤن والطعام. اجتمعنا مع جميع القوات ومع الأشخاص الهاربين، طلبوا منا إيجاد حل لهم، وصلت الرسالة إلى (القيادة المؤقتة) وقام (سربست وسامي) أيضاً بالشكوى والتذمر مني بأنني تسببت في فوضى في منطقة (مزوري)، كان (سليم) قد قال "فديت عينيه، دعوه يقتلهم، لأنهم لن يصبحوا بشراً"، ولأنني لم أستمع لكلامه كان (سامي) منزعجاً مني.

في نفس اليوم وصل ممثل عن الحكومة وسأل عني، سألته من أنت؟ قال "ممثل (آمر اللواء) الذي يجلس الآن في (سيلكي) وقد طلب أن كل من هرب، فليعد ولا نقول له أي شيء"، التفت إلى الجماعة الهاربة وقلت لهم "كل من لا يخاف على نفسه ويريد العودة، فليعد، ومن يخاف على نفسه، الميدان جاهز وليكن معنا وسنعطيه سلاحاً"، بقي بعضهم معنا وعاد البعض الآخر.

مرة أخرى طُلب مني القيام بعملية أخرى وكان أقاربي وأهلي فقط معي وكنا ٦ بيشمركة، في نفس اليوم وصلنا إلى تلة (توبقليس) التي تقع مقابل ميروز وكان فوج الحكومة أيضاً داخل تلة (رزكي شلال)، وضعناها أمامنا وكنا نريد الحصول على ذلك البغل الذي لديهم، عندما لم نحصل على البغل أحكمنا مكاننا ولم يكن أحد يرانا، حتى وضعوا لهم طعام المغرب.

خريف ١٩٧٨ كان كل من (وحيد هاشم ميروزي وحسين هاشم ميروزي ومحمد أحمد ميروزي وخير الله شلال ميروزي وواحد آخر معي)، من بعيد ومن مكاننا نراقب الجنود، كانوا مشغولين بتناول الطعام، بدأنا بإطلاق النار بأسلحة (برنو ورشاش وكلاشينكوف)، حدث صراخ وعويل وهرب كل جندي إلى جهة، لم نتوقف عن إطلاق النار، ردوا علينا من مقر الفوج، لكنهم لم يعرفوا من أين يتم إطلاق النار عليهم، عندما عرفوا من أين نتحصن، أطلقوا قذيفة سقطت في وسطنا وسقط كل واحد منا في جهة، لحسن الحظ لم يصب أحد منا، استمر القصف وكل قذيفة سقطت في جانب من نقطتنا، حينها تم ضرب المكان الذي كنا فيه بكل أنواع الأسلحة، نظرنا إلى أنفسنا، لم يصب أحد منا بأي شيء وقررنا الانسحاب ولا نعرف هل بقي أحد في تلك الربية التي أطلقنا النار عليها، في اليوم التالي وصلتنا رسالة بأنه لم يبق أي جندي داخل الربية وأن ٤ منهم قتلوا وأصيب بعضهم بجروح وتركوا جميع أسلحتهم، لكن كيف تستطيع الدخول إلى ربية العدو بـ ٥ أشخاص وجميعهم من عائلة واحدة. بعد أن قاتلنا لمدة (ساعة) واحدة عدنا دون خسائر وتمت مكافأتي من قبل القيادة المؤقتة بمبلغ ٧٠٠ ليرة تركية.  

بعد عودتي إلى (هركي) وصلتني رسالة من آمر اللواء عن طريق (حسين جانكير ميروزي)، كان قد طلب مني أن أعود وحدي، وفي المقابل يفعلون لي كل ما أريد، أخذت الرسالة مباشرة إلى (القيادة المؤقتة) وسلمتها لـ (سربست) وهو بدوره سلمها لـ (سامي عبد الرحمن)، بعد قراءة الرسالة، دار نقاش بينهم حول الرسالة وسألوني عما هو مكتوب فيها، فقلت لهم: "لا أعرف، لأنها مكتوبة باللغة العربية"، قال لي (سامي) كلاماً كثيراً وقال "نعدك أن نكون عوناً وسنداً لك وكل ما فُعل بحقك سابقاً، سنصلحه لك وننتقم لك، وأولئك الذين أهانوك واشتكوا عليك سنطردهم من قريتك وسنسلمك قريتك، وكل ما تريده سنفعله لك وثروتك وأموالك ستكون مؤمنة من قبلنا"، لاحقاً وضعوا برنامجاً لكي نتمكن من إلحاق الضرر بالحكومة من خلال تلك النقاشات التي تلي الرسالة.

(سامي وسربست) قالا "سنرد على رسالتهم لكي يلتقوا في (بزينا) التي تطل على (قرية تويي)، وكلما وصلوا فليتم وضع البيشمركة في حالة تأهب ونطلق النار عليهم من كل جانب ونلحق بهم الضرر"، في الليلة الأولى اتفقنا على تلك الخطة وفي الليلة التالية وضعوا خطة أخرى وقالوا، أرسل لهم رداً واطلب فيه (مليون) دينار مقابل عودتك، بشرط أن يحضروا المال أولاً إلى مكان محدد وتذهب أنت بنفسك إلى هناك وتستلمه، كانت خطتنا النهائية هي البرنامج الثاني ورددت على رسالتهم، لم أكن سأعود ولكن كنت أريد الحصول على دخل للقيادة المؤقتة من خلال ذلك المال، أبدت الحكومة موافقتها على إيصال المال المحدد إلى (كلي بزينا).

 في اليوم المحدد انتظرناهم من الصباح حتى المساء في (كلي بزينا) ولم يأتوا، وفي يوم آخر انتظرناهم أيضاً ولم يأت أحد، وصلتنا أخبار بأن الحكومة حصلت على معلومات حول خطتنا وتراجعت ولن تأتي، لم ننجح في تلك الخطة ولم نستلم المال. توقفنا لفترة دون أي نشاط وقال (سامي) "ماذا نفعل؟" فقلت "دعنا لا نجلس، لنقم بجولة".

انطلقنا إلى (ميروز) لكي نهجم على ربيات جنود حكومة العراق، قمنا بالجولة ودون أن نشن أي هجوم، عدنا إلى مقرنا في (قرية هركي) وعلمنا بخبر وفاة (الملا مصطفى). أعلنا الحداد لعدة أيام ورفعنا الأعلام السوداء فوق المقر وجميع الأماكن وأقيم العزاء من قبل (القيادة المؤقتة) ولم يعد أي من المسؤولين الذين كانوا في (هركي) إلى إيران للتعزية، بعد فترة وصلت إلى مسامعي تحركات بأن مجموعة (القيادة المؤقتة) ينوون القيام بانقلاب على (إدريس ومسعود)، كانوا يتصرفون بطريقة لا يحسبون فيها حساباً لـ (إدريس ومسعود).

كانت جماعة القيادة المؤقتة على علاقة وثيقة ببعضها البعض وكان (سامي عبد الرحمن) يقودهم، وكان كل من (سليم وسربست وسيامند بنا وعبد الله ريشة وملازم نهاد و...إلخ) على دراية تامة بتحركات بعضهم البعض، وكانوا قد بنوا لأنفسهم منازل وأماكن للإقامة، وكان لديهم أفران للخبز وكافة الاحتياجات في (هركي)، وكان الكثير من الناس في شمال كوردستان-تركيا يساعدوننا وكنا نعيش على حدود (تركيا-العراق) وكان بيننا نهر صغير فقط، وكان يعيش فيه الكثير من الناس وكان كل واحد منهم يملك العديد من رؤوس الماشية والأغنام، وكان لديهم نحل وعسل وزراعة وكل شيء. كانت تلك المنطقة قد أصبحت مدينة كاملة، وكان الكثير من الناس من قرى (ناوجلا وستوني وهركي و...إلخ) قد تجمعوا فيها، وكان أكثرهم يسكنون في (قرية باسيا) وكانت مستلزماتنا واحتياجاتنا تصل إلى هناك.

كانت تلك المنطقة (وطناً) ودولة مستقلة، وكانت (القيادة المؤقتة) تحكم شعبها حكماً حسناً وتديرهم إدارة جيدة، وكانت حدود سلطتها تصل حتى عشائر (نيروة وگولي).

إحباط مؤامرة الاتحاد الوطني في عام 1978 ومعركة شمدينان

في ربيع عام 1978 وصلنا خبر بأن قوات (الاتحاد الوطني) قد جاءت وتريد إلحاق الضرر بنا من خلفنا عن طريق (شمدينان) وبمساعدة (الحكومة التركية)، سألنا إلى أين وصلوا؟ قالوا إنهم وصلوا إلى (قرية باوي) ومروا عبر (قرية ساتي) ويريدون الوصول إلى (أورمار) وأن مجموعة أخرى منهم تريد الوصول إليهم من مكان آخر ومباغتة (القيادة المؤقتة للحزب)، بعد الشعور بتحركهم، أُرسلت رسالة إلى (أهالي شمال كوردستان-تركيا) لكي لا يساعدوهم ويدعموا (الحزب)، وفي النهاية ساعدنا الناس واندلع القتال بيننا، واحتدم القتال في كل من (كفر وأورمار وباوي ورشيدا و...إلخ) وتوزعت قواتنا، وفي تلك المعارك استشهد (ملا أمين بارزاني وأخ له وعدد من أفرادنا) وكان هناك الكثير من القتلى في صفوف قوات (الاتحاد الوطني) وكان كل من (الدكتور خالد وحسين بابا شيخ) من بين القتلى، وتم إلقاء القبض على 200 شخص من قادتهم ومسلحيهم وكان (علي عسكري و...إلخ) من بين المعتقلين ونُقلوا إلى مدرسة في (قرية بيداوي). 

في أحد الأيام ذهبت أنا وسربست إليهم، وتحدث (سربست) إليهم وقال لهم: "نحن إخوة ولا يوجد أي فرق بيننا، لماذا فعلتم ذلك؟ من يحرضكم على فعل هذا؟"، وفي تلك المعارك خرج (جلال) مع بعض من جماعته وعاد إلى (عشيرة كردي) وساعدهم كورد الشمال كثيراً وأنقذوه.

أُطلق سراح عدد من المعتقلين وقُتل البعض الآخر وكان (علي عسكري) من بين القتلى، وبقي ستة أشخاص منهم مع قواتنا وكان أحدهم يدعى (رفيق)، وبعد ذلك في حملة هجوم الحكومة العراقية على (هركي) استشهد (رفيق) برصاص دوشكا طائرة عراقية.

شنت الحكومة العراقية هجوماً، وصعدنا نحن إلى (أردويل) وكانت الحكومة تصعد حتى تصل إلى (قرية هركي)، كانت قوتنا في (سري سوري) وأطلقنا النار عليهم، وكانت قوة (فتحي سليم أركوشي) تواجههم من الأسفل، والتي تطل على (أردويل)، تراجع جنود الحكومة العراقية وعادوا، وبعد ذلك وصلت طائرات الهليكوبتر التابعة للعدو، كنت أنا و(رفيق) جالسين تحت صخرة، ولم أرَ سوى رشقة من رصاص الدوشكا وجهت إلينا ومرت فوق رأسي وأصابت جسد (رفيق) وشطرته إلى نصفين، كان استشهاده مؤثراً جداً عليّ وحزنت عليه كثيراً.

في ذلك الهجوم الذي شنته الحكومة على (هركي) صمد أكثر من 300 بيشمركة بدعم من الدفاع الوطني لمدة يومين متواصلين أمام الجيش العراقي، حتى تمكنا من إبعاد عوائلنا عن ميدان المعركة وأدخلناهم عبر حدود تركيا، لأننا كنا نعلم أننا لا نستطيع الصمود أمامهم. بعد أن أخلينا (هركي)، دخلتها الحكومة وأحرقت القرية بأكملها، وكل شيء كان بداخلها أضرمت فيه النيران.

بعد حرق (هركي)، عادت الحكومة العراقية إلى (قرية دري)، وعدنا نحن أيضاً وجئنا إلى آثارنا في (قرية هركي) وعلى الأنقاض المحترقة وضعنا مرة أخرى حجر الأساس لحياة جديدة.

تحرك القيادة المؤقتة للاستيلاء على سلطة الحزب

بعد وفاة الملا مصطفى، كان مسؤولو القيادة المؤقتة يخططون فيما بينهم للاستيلاء على المسؤولية الأولى للحزب، وسمعتهم مرة يتحدثون باللغة العربية، فقال أحدهم لـ (سامي): "انتبه، (أحمد) يفهم اللغة العربية". قمت وكتبت رسالتين لـ (شوقي كوليك محمد أركوشي)، واحدة لإدريس والأخرى لـ (مسعود) لأخبرهما بتحركات القيادة المؤقتة. قمنا بلف الرسائل ووضعناها بيد (عثمان ميكائيل أركوشي)، وبالصدفة في (قرية بايي) يقع (عثمان) في مفرزة للدرك التركي، وخوفاً من انكشاف أمره، رمى كل ما كان بحوزته من رسائل في قطيع غنم. وبمساعدة راعيات قرية (بايي) نجا من أيدي الدرك، وبحث عن الرسائل لكنه لم يجدها وواصل طريقه حتى إيران ولم يتوقف. بعد رحيل (عثمان)، وجدت الراعيات الرسائل وأعدنها مباشرة إلى القيادة المؤقتة لدى (سامي عبد الرحمن).

بينما كان (علي عسكري) لا يزال في السجن، نزلت ذات يوم باتجاه منزل (أمين سيل أرغوشي)، وكان كل من (سامي وسليم وسربست) جالسين تحت (شجرة جوز) فنادوني. ذهبت إليهم وبعد السؤال عن الأحوال قال (سامي): "يا أخ (أحمد) ماذا فعلنا حتى تكتب تلك الرسالة عنا؟" قلت لهم "أي رسالة كتبتها عنكم؟" أظهروا لي الرسالة وقرأوا لي محتواها وأخبروني أيضاً أن تلك الرسائل قد أُعيدت من (قرية بايي)، فقلت لهم "تلك الرسالة ليست من عملي، ولكن في ذلك اليوم الذي كنتم تقولون فيه احذروا (أحمد) يعرف اللغة العربية، ماذا كنتم تقولون لبعضكم البعض؟ ألم تقولوا إن (ملا مصطفى) قد رحل و(مسعود) سهل، ولو أن (إدريس) أيضاً أزيل من طريقنا لكان أفضل، لكنني لم آتِ لأقول تلك الأقوال ولا لأكتب مثل هذه الرسائل، وإذا كان شخص ما قد فعل ذلك باسمي، فأنا لست على علم به، ولكن إذا قلت إنك لم تفعل شيئاً؟ فقد فعلت، وإذا قلت إنك شخص طاهر، فأنت طاهر ووفي، لأنني سمعت ما كنتم تقولونه"، قال (سامي) "بما أن الأمر كذلك فأنتم لا تزالون معتادين على المشيخية والآغاوية"، قلت له "الموضوع ليس مشيخية وآغاوية، (عائلة بارزان) هي القيادة وانتهى الأمر، ولستم معهم في هذا الموضوع، وهي عائلة بارزان، (ملا مصطفى) رحل وأبناؤه قادمون"، قال "أي أنكم ستستمرون على هذا المنوال"، قلت "نعم، سنستمر على هذا المنوال وهكذا سنكون". تدهورت علاقاتنا وبعد ذلك وصلتني رسالة من (مسعود) بأن أنقل عائلتي وأطفالي إلى (قرية ساتي) وبقينا في تلك القرية لعدة سنوات.

  بعد تلك الأحداث حُلّت (القيادة المؤقتة)، وانشق (سامي عبد الرحمن) ومجموعة معه عن الحزب الديمقراطي الكردستاني وأسسوا حزب الشعب، ودعمهم عدد كبير من الناس في حدود (بادينان)، وذهب عدد من أعضاء القيادة المؤقتة مثل (سيامند بنا وعبد الله ريشة) إلى الخارج، استمرت القيادة المؤقتة لمدة 4 سنوات وبعد حلها لم تعد مقراتهم موجودة في (قرية هركي). كما رتب الحزب نفسه وعاد إلى الحدود، وذهب (مصطفى نيرويي) إلى (نيروة) ووصل (عريف ياسين) إلى (جمي تويا) وجاء (محمد خالد) إلى (بيركمي) وجاء (إدريس بارزان) إلى الأسفل وبقي على الحدود.

حرب العراق-إيران في السنوات من 1980 إلى 1988 

في عام 1980 عندما اندلعت حرب (العراق-إيران)، أرسل لي (مسعود) رسالة وأُمرت بتأسيس مقر في (قرية ميروز) وأن أجمع الناس ونبدأ بالتحرك مجدداً، لكي يعلم الناس أن الثورة مستمرة. عدت إلى (قرية ميروز) (عائلتي وأطفالي) لا يزالون في (قرية ساتي)، جمعت أقاربي وأهلي المقربين وأسسنا مقراً، ثم بدأ الناس شيئاً فشيئاً بالتجمع حولنا وأعدنا فتح طرق المنطقة مرة أخرى، وبدأنا بالزراعة وتربية المواشي وكنا نطعم ونخدم الناس والضيوف على عاتقنا، وكانت تصلنا المؤن من حدود عشيرة ريكاني أيضاً.

في الفترة ما بين عامي 1980 و1988 كانت المنطقة هادئة ولم تقم الحكومة بأي تحركات عسكرية وجلست في مقراتها في (شيروان) بصمت، كانت الحكومة تظن أن هناك عدداً كبيراً من البيشمركة والقوات في المنطقة، ولم يكونوا يعلمون كم بيشمركة نحن، وكنا نجلس في القرى بالاسم فقط!، كانت تُنشر دعايات بأن (أحمد ميروزي) في قرى مزوري وقد جمع حوله عدداً كبيراً من الناس. في تلك الفترة لم نكن ننام بسلام حتى لليلة واحدة وكنا نضع كمائن خلف (قرية كوران) أو تلك المرتفعات التي تطل على (قرية بجيان)، لأننا كنا نتلقى رسائل متكررة بأن الحكومة تنوي الهجوم، وكنا نخرج، لكن لم يتم الهجوم في أي مرة.

ذات مرة وصلنا خبر أن رئيس جاش قد أعطى رسالة لبعض أهالي القرى وهم قد جاؤوا إلى (قرية موكا) ويريدون جمع (القزوان) وقطف التين، أخذت معي بعض بيشمركة الفوج (الأول) الذين كانوا قد جاؤوا لزيارتنا وانطلقت إلى (قرية موكا).

وصلت إلى (قرية موكا) ورأيت الناس قد أشعلوا ناراً ووضعوا الشاي عليها فناديتهم وسألتهم لماذا جاؤوا إلى هنا؟ قالوا "إنها قريتنا وجئنا لنجمع (القزوان)"، قلت لهم "هل هي قريتكم؟" قالوا "نعم"، سألتهم بناءً على كلام من جئتم؟ قالوا "جئنا برسالة من (حسن جانكير)"، استعدت منهم الرسالة وقلت لهم بغضب "اذهبوا وقولوا لـ (حسن) أن يعيد الرسالة إلى مكان آخر وأنتم اذهبوا ولا تبقوا هنا، وإلا سأقتلكم"، أطلقنا بعض الرصاص فوق رؤوسهم وهربوا، وتركوا دوابهم فناديتهم وقلت لهم "تعالوا وخذوا دوابكم أيضاً، لكي لا يقولوا غداً إننا طردناهم بسبب تلك الدواب، ثم تتهموننا بـ (سرقة الحمير)، اذهبوا ولا تعودوا إلى هذه المنطقة مرة أخرى".

وصلتنا رسالة بأن أشخاصاً قد عادوا إلى (قرية سبيندار) ففعلنا نفس الشيء معهم وعادوا. ثم استدعتهم الحكومة وسألتهم لماذا عدتم وماذا حدث؟ فقالوا لهم "جاء (أحمد ميروزي) إلينا ولم يترك لنا شيئاً، وكان يشتم الجميع وطردنا من المنطقة".

 بعد ذلك الحدث وضعوا برنامجاً لكي تهاجمنا الحكومة، كانوا قد خططوا أن يهاجمنا ٥٠ جاشاً سراً وفي الليل، وصلنا الخبر فوراً، أرسلنا رسالة إلى الريكانية ووصل عدد منهم لنجدتنا ووصل لنجدتنا عدد من أهالي (قرية أرغوش) و(قرية بنان) ممن كانوا قد بقوا في قريتهم وازداد عددنا إلى ٤٠ أو ٥٠ بيشمركة وكان معنا عدد من (البي كا كا) أيضاً وهم بدورهم وعدونا بالدعم. بعد أربعة أيام وصلت رسالة بأن ابن (بابكر غويزي) قد وصل إلى حدود (عشيرة ريكاني)، ثم أرسلنا جماعة منا إليه وكان قد قال لجماعتنا: "أوصلوا خبراً إلى (أحمد ميروزي)، بأن مفرزة الحكومة والجاش قد تشتتوا ولن يهاجموكم، لأن بعضهم لم يوافقوا وقالوا بما أننا ذاهبون لقتال (أحمد) فلنقاتل هنا في مكاننا، ماذا سنفعل إذا ذهبنا إلى (أحمد)، إذا قتلناه فسيذهب منا، وإذا قتلنا هو فسنذهب نحن، دعوا أهالينا لا يذهبوا لـ(قسوان وكويز)، (أحمد) ليس ظالماً، لو كانوا ذاهبين، فليستشيروه وليقولوا له جئنا ونريد الذهاب إلى قرانا و(قسوان كويز) هل توافق أم لا؟". داخل الحكومة انقسم الجاش إلى فريقين ولم يهاجمونا.

كيف كان ينظر الرئيس إلى مساعداتنا لـ(البي كا كا)

في ثمانينيات القرن العشرين كنت أقدم مساعدات كبيرة لقوات (البي كا كا) وكانوا يبقون عندي في (قرية ميروز)، تلك المساعدات كانت بعلم مسعود بارزاني، أرسل لي رسالة جاء فيها (إذا استطعت حماية قوات ((البي كا كا)) عندك، فأنا أشكرك، لأنني لا أستبدل مقاتلاً واحداً من (البي كا كا) بكل تركيا، رسالة (الرئيس) بقيت عندي حتى عندما نزحنا إلى إيران، لكنني لاحقاً لم أعرف ماذا حل بها، تلك القوة من البي كا كا قمت بإطعامهم وخدمتهم لمدة ٥ سنوات.

بسبب تلك المساعدات التي قدمتها للبي كا كا في شتاء عامي ١٩٨٥ إلى ١٩٨٦ أرسل لي (سعيد خليل) خبراً بأن قائداً عسكرياً تركياً (عقيد) في (قرية زيت) ويطلب مقابلتي، وأنا رفضت الذهاب، من جهة كنت أخشى أن يتم اعتقالي ومن جهة أخرى لم أكن أريد أن أطيع كلام (سعيد)، بعد عودة الممثل الأول جاء بعض الرسل الآخرين وطلبوا مرة أخرى أن أزور (زيت)، وأعدتهم خالي الوفاض، لاحقاً أرسلت برقية إلى (الرئيس) وأعلمته بالوضع، فقال لي الرئيس: "إذا كنت تخاف على نفسك، فلا تذهب".

مرت بضعة أيام وطلبوا مقابلتي مرة أخرى، هذه المرة قال لي (الرئيس): "اذهب وقابلهم ولا تقلق"، أخذت معي أكثر من ٤٠ إلى ٥٠ بيشمركة منهم (قادر صالح ستوبيي و...إلخ) كانوا معنا حتى وصلنا إلى (زيت). الضباط العسكريون في الحكومة التركية كانوا بانتظارنا فوق مقبرة (قرية زيت) تحت مراقبة ٦ مروحيات عسكرية، وأنا عندما وصلت إلى هناك، قمت بتوزيع البيشمركة على المرتفعات التي تطل على مكان جلوسنا، ذهبت إليهم وأخذت معي مقاتلاً من البي كا كا بملابس البيشمركة، لكي يسمع حوارنا وليساعدني في فهمهم، رغم أن الأتراك كان معهم مترجمهم الخاص.

وضعت سجادة وجلسنا كلانا عليها وحولنا مليء بالبيشمركة والجندرمة التركية، وأحضروا مترجماً وقلت له: "ترجم كلامنا كما هو، ما أقوله ترجمه له وما يقوله ترجمه لي"، قال لي مسؤولهم: "لماذا تطعم البي كا كا؟" قلت: "أنا لا أطعم البي كا كا"، قال: "لدينا شهود بأنك أطعمت البي كا كا"، قلت: "إذا أحضر شهودك البي كا كا أنفسهم إلينا فذلك شيء، لكنني لا أعرفهم وليسوا عندي"، قال: "أتحلف بأن البي كا كا ليسوا عندك؟" قلت: "لا، لن أحلف، حدود تركيا من حاجي عمران حتى تصل إلى بوابة (زاخو) كلها مترابطة ببعضها، وأحد أفرادها في دولة وخالته في دولة أخرى، وعم أحدهم في دولة وزوجة الآخر في الدولة الأخرى، كلهم أقارب بعضهم، ربما الآن البي كا كا عندنا، كيف أستطيع أن أحلف بأن البي كا كا عندنا أو ليسوا عندنا؟!".

 أخذت معي (بي كا كا) واحداً وجلس بجانبي، قال الضابط التركي: "ألا تحلف؟" قلت: "لا، لن أحلف"، قال: "من هو مسعود وكيف تنظرون إليه"، قلت: "مسعود هو رئيسنا"، قال: "هل تعرف (عبد الله أوجلان)"، قلت: "لا، لا أعرفه"، أحضر صورة وأراني إياها وسأل من هؤلاء؟ قلت: "هذا رئيسنا والآخر لا أعرفه"، كانت لديهم صورة (مسعود وعبد الله أوجلان) وهما ملتقطان صورة معاً وأروني إياها، قال: "كيف يلتقط رئيسكم صورة مع (عبد الله أوجلان) وأنت لا تعرفه؟" قلت: "هم يعرفونه حينها، لكنني لا أعرفه، لم أرَ (عبد الله أوجلان) ولن تعرفني عليه بالقوة!"، ثم قال: "كم قوة لديك أنت ورئيسك أحضروها لمدة ساعة وسنقضي عليهم جميعاً، أي رئيس لديك وأي حكومة لديك؟!"، قلت له: "هذه ليست إيران (سهل غواري) هي صخورنا وأحجارنا ومكاننا، أقسم بالله العظيم مهما أحضرت من جنود، لن تعيد واحداً منهم بسلامة"، نظرت فرأيت المترجم لم يترجم كلامي هذا في النهاية وقلت له: "لماذا لا تترجم له؟" قال: "لأنه سيغضب"، قلت له: "كلامه هو مثل كلامي، لماذا لم أغضب أنا، لكنه سيغضب، ما أقوله لك ترجمه بنفس الكلام"، طلب الجندي من المترجم أن يترجم كلامي له... ثم ترجم كلامي له وغضب ممثل تركيا وبدأ بتهديدي بالهجوم، ثم قلت له: "نحن لم نقاتلكم، لا تستطيع أن تأتي من بلد آخر وتهددنا، هل تظن أننا من أهالي تركيا، لدينا حكومتنا وحدودنا المستقلة ولم نأتِ لنعمل جنوداً عندك، أنت (عقيد) وشخص ذو رتبة وكبير كيف تهددنا؟!"، غضب وقام وطلب من جماعته مغادرة المكان وفي النهاية قال: "هذا لن يمر عليك"، بهذه الطريقة انتهى حوارنا، لكنني كنت متأكداً أنهم سيلحقون بي الضرر.

أعدت أهلي وأطفالي (إلى ميروز) وأنهينا فترة العزوبية التي استمرت قرابة 5 سنوات، بقينا في أماكننا، كان الرئيس مسعود في الفرع (الأول)، ناداني مرتين وذهبت إليه في (نيروة).

 كان بحوزتي سلاح جميل أهدتني إياه قوات (ب ك ك) وكان يتسع لـ 14 رصاصة، كان بإمكانك تصغيره كثيراً، وعندما تفتحه يصبح بحجم الكلاشنكوف، كان السلاح نفسه بيدي، سألني الرئيس "من أين حصلت على هذا السلاح؟"، قلت له "أهدتني إياه قوات (ب ك ك)، لكن ليكن لك"، قال "بما أنه هدية فلا يجوز لي أخذه"، نظر إليه ورفعه ثم وضعه، فقلت له "يا سيدي يجب أن تأخذه مني"، وفي النهاية رفض ولم يأخذه.

بقي الرئيس قرابة ستة أشهر في الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكوردستاني (في ربيع عام 1987 تجول في منطقتنا وجاء إلينا في (ميروز) وأنشأنا له مكاناً للجلوس.

عند وصول (الرئيس) إلى (ميروز) كنت في جبهة القتال في (إيدلبي) ووصلتنا رسالة بأنه (جاء إلى (ميروز) وهو ضيفنا، قلنا لجماعتنا "سأعود فقد جاء (الرئيس)".

كنا قد وضعنا نقاط حراسة في ثلاث نقاط لقبيلة (مزوري)، إحداها في (إيدلبي) وأخرى بالقرب من (قرية كوزي) تسمى (بيرملكي) والأخرى في (ريلا)، وضعنا مقر (إيدلبي) لحراسة (هيبه)، ونقطة (بيرملكي) لمراقبة شيروان ونقطة (ريلا) لحماية طريق (بارزان)، وكانت كل نقطة من تلك النقاط تُحمى من قبل 10 من البيشمركة. 

عندما عدت إلى (ميروز)، رأيت مجموعة كبيرة من البيشمركة مع الرئيس مسعود بارزاني، يقدر عددهم بنحو 400 شخص منتشرين في القرية، كانت وجوهنا مليئة بالغبار والأوساخ، وكان ابن أخي (حسين هاشم) يضع قاذفة آر بي جي على كتفه ويتبعني، وصلنا إلى (ميروز)، رحبنا بهم، وقف الرئيس لاستقبالنا، فقلت له "يا سيدي اعذرني لا أستطيع مصافحتك، لأننا في حالة غير لائقة".

 بقوا الليلة الأولى وفي اليوم التالي أنشأنا لهم مكاناً خاصاً، وفي اليوم نفسه طلب رؤية القرويين. في كل قرية إذا كان هناك شخص نادينهم وتجمعوا في (ميروز) وتحدث إليهم قائلاً "إن شاء الله سيفتح الله لنا باباً، وأنتم الذين لم تتركوا أماكنكم حتى الآن، لن ننسى خدمتكم وسيأتي يوم نرد لكم فيه تلك الخدمة، لأن بقاءكم في ذلك المكان وحمايته ضد العدو، عمل عظيم وفخر كبير"، أثنى كثيراً على الناس ثم قال "(أحمد) هنا ممثلنا ولا أعتقد أنه أساء لأحد في أي وقت"، وتحدث الناس أيضاً وأثنوا عليّ وشكروني، وقال الأرگوشيون الذين عادوا من (حرير) للرئيس: "عندما خرجنا من حرير، لم يكن لدينا شيء، (أحمد) جلب لنا المؤن وكافة الاحتياجات"، وقال أهالي (قرية تويي) أيضاً "يا سيدي لم يكن لدينا أي طعام وجئنا فأعطانا (أحمد) الطحين وأعطانا بغلاً لنحضر المؤن لأنفسنا".

بقي (الرئيس) عندنا لمدة أربعة أيام وليالٍ، وكان هو وكافة البيشمركة يتلقون الخدمة من قبل عائلتي، وبعد ذلك عاد هو وترك لنا الدكتور روج، ورافقناه حتى (قرية سبيندار) وذهب الرئيس باتجاه (زيت) وعدنا نحن إلى ميروز. 

بقي الدكتور روج 3 أيام و3 ليالٍ عندنا ثم عاد إلى الفرع الأول ورافقناه حتى (النهر الأزرق) وأرسلنا معه بعضاً من أهل ريكان إلى الإقليم الأول وأصبح مسؤول المنطقة. 

مرت بضعة أيام، ونحن جالسين تحت عريشتنا، رأينا طائرتين وصلتا فوق سماء (قرية زيت) وتبعتها طائرتان أخريان وانخفضتا نحو مقرنا ثم ارتفعتا، علمت أنهما ستقصفاننا، ثم ذهبتا فوق سماء (شيروان) ودارتا فوق سماء (زيت) و(أرگوش) وعادتا فوق رؤوسنا وانخفضتا وقصفتا، لم يعرف أحد ما الذي حدث.

 قامت الطائرات الحربية الأربع معاً بقصف (قرية ميروز)، لم تكن لتصدق أن بشراً بقي في القرية! كانت الرصاصات تضرب الأرض وتخرج منها 40 رصاصة أخرى وكانوا يسمون ذلك الصاروخ (عنقودياً)، تحولت أشجار وصخور القرية إلى نار. (صادق هاشم ميروزي) ابن أخي كان قد ذهب إلى جانب منزلنا القديم، وتم توجيه صاروخين نحو منزلنا، وأصاب أحد الصواريخ (صادق) مباشرة ورمى كل قطعة من جسده في مكان، ووقعت يده على صخرة قريبة من مكان القصف، ووجدنا بعض أجزاء جسده الأخرى وجمعناها ودفناها في مقبرة (ميروز).

 كل مكان أصابه الصاروخ كان يسويه بالأرض، وكانوا قد قصفوا بشكل أكبر المكان الذي وضعنا فيه مقرنا وكان مكاناً للحركة والإقامة أيضاً، لم نعرف كيف كانت معلوماتهم دقيقة جداً، حتى المكان الذي كان يجلس فيه الرئيس، لم يتركوا شيئاً فوق بعضه، وكذلك مكان المطبخ وإقامة اللاسلكي للبيشمركة. تم قصف كافة الأماكن التي كان يستفيد منها البيشمركة.

في ذلك القصف على (ميروز) استشهد ابن أخي (صادق) فقط، وأصيبت امرأة تدعى (محت) وابنها اللذان كانا من أهالي قرية (إيدلبي) ويقيمان عندنا.

بعد أربعة أشهر على حادثة قصف (قرية ميروز)، كان (فتحي سليم أرگوشي) وشخص يسمونه (خليل مالا آغا) عندنا ونحن جالسين تحت العريشة، حين رأينا مروحية رمادية اللون تدور حول نفسها حتى هبطت أمام باب عريشتنا.

 كانت خيمتنا مليئة بـ بيشمركة، حملوا أسلحتهم ووقفوا أمام المروحية وأحاطوا بها، وقف من في داخل المروحية بصمت ودون حركة، نادينا السائق ليخرج وسألناه عما يبحث ومن أنت؟ قال "بحق الله لا تفعلوا بنا شيئاً"، وأخرج مصحفاً صغيراً من جيبه وتوسل وقال "لقد جئت بالخطأ وظننت أنها (جلي)"، فقلت له "ألا تعرف أن هذه إيران (ميروز) وليست (جلي)؟!"، تجمع حولنا عناصر الـ ب ك ك الذين كانوا معنا ووجهوا فوهات أسلحتهم إلى زجاج المروحية وكانوا يطالبون بقتلهم، لكنني لم أسمح لهم وطلبت منهم الصبر والتريث، لئلا تأتي طائرات أخرى فوقنا وتقصفنا، كنت أمسك يد كل مسلح من الـ ب ك ك لئلا يرتكب عملاً خاطئاً. كان هناك رجل (شاشك) الرأس داخل الطائرة مع عدد من الجنود ولم يخرجوا من أماكنهم داخل الطائرة، اتصلنا على وجه السرعة عبر (جهاز اللاسلكي) بـ (الرئيس) ومرت ساعتان ونصف على إيقاف الطائرة، طلب (الرئيس) إطلاق سراحهم على وجه السرعة وأن يعودوا فوراً إذا لم تفعلوا بهم شيئاً، لئلا تهاجمكم الطائرات التركية، في نفس الوقت فتحنا لهم الطريق وطلبنا منهم عدم العودة مرة أخرى وعادوا شاكرين.

جاءت تلك الطائرة لكي يعتقلوني بدلاً من قوات الـ ب ك ك، لقد جاؤوا بهذه النية، ولكن عندما رأوا عدداً كبيراً من الـ بيشمركة يقفون في مواجهتهم، عادوا خائبين.

 في عام ١٩٨٨ في (معبر بلي) الذي يطل على (شيروان) كنا في حالة تأهب لمنع هجمات الحكومة العراقية وكان الشهيد (فائق ماهر أركوش) معنا، هاجم الجحوش عدة مرات ولم نسمح لهم بالعبور وكسرناهم.

كنا حوالي ٤٠ بيشمركة، لمدة ستة أيام بعد اتفاقية (العراق-إيران) لوقف إطلاق النار، قاتلنا في (معبر بلي)، كان الجحوش يهاجمون بمفردهم وبدون دعم الأسلحة الثقيلة الحكومية وكانوا ينطلقون يومياً بالسيارات، لكي يختبرونا هل سنقاوم أم سنهرب، بالسيطرة على (معبر بلي) الذي كان يطل على (قرية ريلا)، كانت الحكومة تعبر بسهولة إلى (عشيرة مزوري)، لذلك لم نترك المعبر.

كان الجحوش يشنون هجومهم بمفردهم وبدون مساعدة الطائرات والمدافع والدبابات، والأسلحة التي كانت بحوزتنا كانت فقط (برنو ورشاش وبيكيسي وكلاشنكوف وآر بي جي) وكانوا هم يهاجمون بنفس مستوى أسلحتنا.

لم تكن لدينا أي خسائر في تلك المعارك، ولكن وفقاً للمعلومات التي وردتنا، كان لدى الجحوش عدد من الجرحى.

بعد فترة بدأت الحكومة العراقية حملة عسكرية كبيرة وبدأت بقصف وحرق قرى حدود بارزان، أرسل لنا الرئيس رسالة بأن ننجو بأنفسنا بأي طريقة كانت وألا نواجه العدو، لذلك جمعنا أنفسنا وهربنا إلى حدود (تركيا) وعبرنا عن طريق (قرية أركوش وماواتا) عند جسر (باسيا) إلى قرية (هركي)، بقينا لمدة ٣ ليالٍ، حتى عاد ممثلنا الذي أرسلناه سابقاً إلى (بيزلي)، حينها أبدت الحكومة التركية موافقتها على أن نمر من جانبهم بدون سلاح ونذهب إلى (إيران)، صعدنا مشياً على الأقدام (نساء وأطفال ورجال) فوق (جبل بيزلي)، كان شخص يدعى (شمس الدين بيداوي) ينزل من الجبل، اقترب مني وأمسك بيدي وقال: "لا تصعد أكثر وإلا سيتم اعتقالك بتهمة التعاون مع الـ ب ك ك وصورتك معلقة"، قلت لعائلتي "لا أستطيع الصعود معكم وسأستقبل شخصاً عن طريق (هلانة) ومن هناك سأنطلق وأنتم اذهبوا".

 العديد من أشيائي الخاصة التي كانت مع عائلتي وأطفالي ومحفوظة في صندوق مثل (صوري وصور قادة بارزان وجماعة القيادة المؤقتة و٦ رسائل من الرئيس كان قد أرسلها لي، لحمايتها ومن الخوف من عثور جنود تركيا عليها كانوا قد حفروا مكاناً وأخفوها فيها، لم يكتفوا بذلك بل أشعلوا النار فوقها وأحرقوها.

في ذلك الوقت الذي كنا نهرب فيه ونصعد (جبل بيزل) كان (الدكتور كمال كركوكي) معنا أيضاً وكانت يداه مقيدتين وطلب مني ألا أتركه، قلت له "أنا نفسي متهم من قبل الحكومة التركية ويجب أن أجد طريقاً لهروبي، كيف أستطيع مساعدتك؟!" 

في (سفح بيزل) وصل شاب وطلب مني أن أنطلق معه، ذهبنا إلى قرية أخرى وكان طريق ترابي يمر من هناك وطلب مني ركوب السيارة، ركبت وانطلقنا حتى تجاوزنا (هلانة) ووصلنا إلى (كتينة)، كنت جائعاً جداً، نزلنا وجلسنا في مقهى وطلبنا الطعام، لم نبدأ بالأكل بعد، دخل علينا رجل وقال "(أحمد) لا تتعب"، لم أكن أعرفه من هو ومن أي مكان، لكنه كان يعرفني جيداً، أجبته وسألته عن وقت الوصول وقلت له "وصلت للتو"، قال "حسناً سأعود إليك الآن"، ذلك الشاب الذي كان معي قال لي فوراً "قم لنذهب، ذلك الرجل كان من (الميت) التركي، سيسلمك للاعتقال"، كانت لقمة الخبز لا تزال في يدي ورحلنا، أولئك الذين كانوا في المقهى قالوا لاحقاً للمرشد "بعد خمس دقائق من رحيلكم، امتلأ المقهى بالجندرمة".

لحسن الحظ نجونا من خطة الاعتقال تلك أيضاً وانطلقنا حتى وصلنا إلى حدود إيران وبقينا في قرية شقلاوة وبعد عدة أيام وصلت عائلتي أيضاً وتم إرسالنا إلى مجمع (زيوة) وبعد فترة ذهبنا إلى (مدينة رضاية) وسكنا هناك حتى مرت سنتان ثم عدنا إلى (مجمع زيوة). 

بعد فترة أرسلوا لي خبراً بأن أستعد وأعود إلى مناطقنا عن طريق حدود تركيا، في اليوم التالي عندما عدت إلى الجماعة رفضوا أن أنطلق عن طريق تركيا بسبب وجود اسمي لدى جندرمة تركيا واتهامي بالتعاون مع (الـ ب ك ك).

انتفاضة عام ١٩٩١

في بداية انتفاضة ١٩٩١، نيجيرفان بارزاني أرسل لي رسالة وطلب مني أن آخذ معي بعض الأشخاص وأذهب إليه، لكي نعود باتجاه جنوب كوردستان، وفي اليوم التالي انطلقنا، حتى وصلنا إلى السليمانية وبقينا في (سرجنار). كان نيجيرفان قد جلب معه 60 بندقية كلاشينكوف كهدية، ليوزعها على بعض الأشخاص، وبعد بضعة أيام صدرت لنا الأوامر بالذهاب إلى (دربندي بازيان)، لصد هجوم حكومة العراق.

 (أنا وأحمد ماله سواري ومحمد سليم سلوري وقادر ستوبيي وتانجو به روژي وحميد حيدر أرغوشي وعلي شعبان)، انطلقنا مع 300 بيشمركة إلى (دربندي بازيان)، وبقي نيجيرفان في (سرجنار) مع عدد آخر من البيشمركة.

أوقفنا نحن بيشمركة الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي بشكل مشترك في (دربندي بازيان) تقدم قوات حكومة العراق. في البداية عقدنا جلسة لتقييم الوضع بيننا، وتم تكليف قواتنا بجبهة (غرب) الدربند، وجبهة الشرق لقوات الاتحاد الوطني.

بأسلحة (برنو وكلاشينكوف ورشاش ودوشكا وآر بي جي) تم تثبيت قواتنا في جبهة غرب الدربند، كانت الدوشكا موضوعة على الشارع الرئيسي، لذا طلبت من (أحمد ماله سواري) أن ينقلها إلى تلة أعلى. 

قضينا ذلك اليوم، لم تكن هناك أي حركة. في فجر اليوم التالي والجو لا يزال مظلماً ولم يغمض لأي بيشمركة جفن، قال بيشمركة "صوت طائرة قادم"، بعد أن أصغيت جيداً للصوت، قلت لجماعتي "كم بقي للصباح"، قال أحدهم "الساعة 6:10 دقائق فجراً"، قلت "الهجوم سيبدأ".

أشرقت الدنيا وظهرت فوهات (الدبابات) تباعاً في (قره هنجير)، في البداية وصلت طائرتا ميغ روسيتان فوق رؤوسنا ودارتا عدة مرات ولم تقوما بأي قصف، ثم وصلت مروحيتان وبعدها جاءت طائرتان حربيتان أخريان وقصفتا مركز (مجمع بازيان). حدث صراخ وعويل أهالي المجمع وكانت النساء والأطفال يصرخون معاً.

كانت الجبهة الغربية بعيدة عن الطريق الرئيسي، لكن الجبهة الشرقية التي كان يحميها بيشمركة (الاتحاد الوطني)، كانت تطل على الدربند وكانت تحركات قوات الحكومة تمر من جهتهم، حينها كانوا يصلون إلى قواتنا، عندما اقتربت الدبابات ووصلت إلى سفح الدربند، أطلق بيشمركة الاتحاد الوطني النار عليها وتراجعت الدبابات فوراً وبسرعة. لم تكن قواتنا قد أطلقت رصاصة واحدة بعد، لأننا كنا بعيدين وكان إطلاقنا للنار بلا فائدة.

أطلقت دوشكا الجبهة الشرقية النار على الطائرة ولم نر إلا أنها تعرضت للقصف من قبل الطائرة وكانت قطع الدوشكا والبيشمركة تتساقط من السماء، كان القصف عنيفاً جداً واستشهد عدد كبير من بيشمركة الاتحاد الوطني.

لم تتجاوز المعركة ساعتين، قالت جماعتنا ماذا نفعل؟ قلت لهم "ماذا نفعل من هنا، رصاصنا ليس له أي تأثير، والطائرة تدور أيضاً، إذا قصفتنا، لن ينجو بيشمركة واحد".

انكسر بيشمركة الاتحاد الوطني وتراجعوا، عندما انكسروا بدأنا نحن أيضاً بالتراجع. انطلقت حكومة العراق بالدبابات باتجاه (السليمانية)، وسلكنا نحن 300 بيشمركة طريق الوصول إلى مكان آمن سيراً على الأقدام، ضللنا الطريق ولم نكن نعرف إلى أين نذهب وكيف سننجو!.

وصلنا إلى قرية لا نعرف أي قرية هي، كان الناس يهربون والنساء والأطفال يتبعون بعضهم البعض، توقفنا في إحدى القرى، كانت امرأة تخبز، طلبت منها أن تعطيني خبزاً وفي المقابل سأعطيها مسدساً من نوع 14 طلقة، قالت المرأة: "اذهبوا ولا تبقوا هنا، كان أحدنا معنا، وضع عصا داخل الخبز وأخذ بعض الخبز وهرب، مهما صرخت المرأة كان بلا فائدة وكان من حسن حظي أن نصيبي من سرقة الخبز تلك كان قطعة خبز. 

 مستمرون في مسيرنا (قرية.. قرية) نعبر ووصلنا إلى مكان قالوا إن هذه قرية (بيره مكرون) وكان فيها بضعة بيوت، والجبل الذي يطل عليها هو (جبل بيره مكرون).

جياع ومنهكون ومتعبون، المطر مستمر وقد جعل الأرض والسماء شيئاً واحداً، كنت أمشي خلف البيشمركة، تعثرت بـ (آر بي جي) وسألت لمن هذا السلاح، قال بيشمركة "إنه لي ولا أستطيع حمله أكثر". لم تعد لدي قدرة على فعل أي شيء. مشينا ووصلنا إلى وادٍ، ذلك اليوم أيضاً استمر المطر فيه حتى المساء، جاءت الجماعة وقالوا إن بيشمركة من أرغوشي سقط داخل كهف ولم يعد يتحرك، صعدت فوق رأسه وكان لسانه قد توقف عن الحركة، وضعت قطعة تمر في فمه فخرجت من شفته وقلت للجماعة "انتهى، هذا البيشمركة فارق الحياة"، تركناه داخل الكهف وفي صباح اليوم الثاني قالوا إن بيشمركة آخر فارق الحياة أيضاً وكان من أهالي (دهوك) وكان بيشمركة (خالد شلي).

في (بيره مكرون) وصل إلينا رجل وكان معه طفلان وامرأة، كان معه كلاشينكوف وقال "سلاحي هذا ليكون لكم"، قلنا له "لماذا وماذا نفعل به، أسلحتنا نحن فائضة"، صعدوا هم فوق ذلك الجبل. 

حينما جاء صوت إطلاق نار وارتفع صراخ بعض البيشمركة ونادوا بأن الحكومة قد جاءت، ذهبت ونظرت وسألت كيف يمكن للحكومة أن تمر من تلك المنطقة، لاحقاً بحثوا في الأمر، كان بيشمركتنا أنفسهم قد أطلقوا النار على (أبقار) وقتلوا 6 منها، كان البيشمركة جياعاً لدرجة أنهم لم يتركوا قطعة لحم واحدة وحتى أنهم أكلوا (أرداف) الأبقار، في صباح ذلك اليوم أصيب جميع البيشمركة بـ (الإسهال). وكان بيشمركة منا قد فارق الحياة، طلبنا من بعض سكان القرية أن يدفنوه لوجه الله وتركنا الجثة.

بكل قوتنا الجسدية صعدنا جبل (بيره مكرون)، حتى وصلنا إلى قمة الجبل وننظر فإذا بالطفلين اللذين كانا معنا في الليلة السابقة، قد فارقا الحياة وذهب والداهما أيضاً وغطوهما بمنديل وأحاطوهما ببعض الحجارة، بكيت على قبرهما طويلاً وانطلقت. 

واصلنا مسيرنا حتى وصلنا إلى (ماوت)، مررنا بيومين وليلتين، كانت هناك قوة كبيرة من بيشمركة (الاتحاد) في (ماوت)، بحثنا عن بعض قطع الخبز، جمعنا كمية قليلة، ولكن لمن تكفي ولمن لا تكفي؟! لذا طلبنا المؤن من قوات الاتحاد، قالوا يجب أن تزوروا (جلال)، إنه في كهف بذلك الجبل الذي يطل على (ماوت)، سألوا من يذهب؟ لاحقاً تم تحديد كل من (أنا وأحمد ماله سواري وتانجو)، انطلقنا وسرنا حتى صعدنا إلى الجبل، وكانوا قد مزقوا الخيام ووضعوا الخشب تحتها وأصبحت كأنها مسطبة، كان (جلال) يجلس هناك وكانت زوجته (هيرو) معه ومع حراسه، نادوا (مام جلال) وصل البارزانيون، خرج (جلال) وسألنا عن تعبنا وقال "جيد أنكم وصلتم، وصلتني للتو برقية من (كاك مسعود) وقال إن هؤلاء البارزانيين الموجودين هناك لا يعودوا وليكونوا معكم واعتنوا بهم ووفروا لهم الخبز والطعام، لا تدعوهم يعودوا"، قلت له "إلى أين لا نعود؟" قال "لا تعودوا"، قلت "أين نكون؟" قال "كونوا معنا ولا يوجد أي فرق بيننا"، قلت له "نحن أيضاً لا نقول إن هناك فرقاً، ولكن من يستطيع أن يقول لهؤلاء الـ ٣٠٠ رجل في الأسفل أن يبقوا"، قال "لماذا؟" قلت "لم يأكلوا ولم يشربوا شيئاً، ليس لديهم أي شيء وهم جياع وعراة ومحطمون، اثنان منهم فقدوا حياتهم في الطريق، كيف يمكننا أن نقول لهم لا تعودوا! نحن لا نستطيع أن نقول لهم، إذا كنت ستأتي وتطلب منهم ذلك فتفضل"، كتب رسالة لنحصل على بعض الدقيق وطلب أيضاً أن نرد عليه ببقاء أو عدم بقاء قواتنا. وفي جلستنا قال (جلال) "لا تقلقوا (العراق) يجري معنا محادثات".

عدنا إلى (جلال) وأخذنا الرسالة وأعطونا ٩ أكياس دقيق، وزعنا الدقيق على البيشمركة بعلب حليب نيدو وحصل كل ٣ بيشمركة على علبة واحدة، ولم يكن لدينا أي شيء لنعجن فيه ثم نخبزه، عجنت العجين داخل (خوذة) عسكرية ووجدت علبة زيت فارغة وسطحتها، وذهب الجماعة وأحضروا بعض الخشب، جاء ابن أختي (فهمي شلال) وقال "هلسه أنا سأعجنها"، أضاف كمية أخرى من الماء وهذه المرة أصبح عجيننا سائلاً، لذا عدنا ودرنا لنبحث عن كمية أخرى من الدقيق لكي يتماسك عجيننا، لحسن الحظ حصلنا على كمية، صنعنا العجين ووضعته على العلبة فنزلت من فوقها وسقطت في الطين، كنا نلتقط العجين من بين الأوحال ونأكله.

 باستثناء (الخبز) لم يكن هناك أي شيء آخر لنأكله، بعد تعب كبير، استطعنا خبز بعض الخبز وأكلناه. في صباح اليوم التالي استيقظنا وقلت للمسؤولين لنطلب طلباً من البيشمركة وهم رفضوا أن يقولوا لهم، ثم قررنا الذهاب نحو (قرية بوله) التي تقع على حدود إيران-العراق.

بقينا في (بوله) ويوجد نهر يقع بين حدود البلدين، في الصباح ذهب بعض رجالنا. بقيت مجموعة منا وتجولنا في تلك المنطقة ولحسن الحظ تم العثور على دقيق وكان يُخبز على الحجر، لكن طعمه كان لذيذاً. بعد ٣ أيام سيروان بارزاني وصل وكنا سعداء بقدومه وقال "نيجيرفان أرسلني واعتذر، بسبب تدهور الوضع لديهم لم يتمكنوا من الوصول إلينا"، قال سيروان "الآن نحن سنعود، ثم نرسل لكم سيارات وتعودون أنتم أيضاً".

أنا مع ٣ بيشمركة مع سيروان بارزاني عدنا وهو نفسه طلب أن أكون معه، أركبني في سيارته وانطلقنا عبر طريق إيران إلى (حاجي عمران) ولم نتوقف حتى (سارداو) عند (الرئيس بارزاني).

بعد أن عادت قواتنا إلى (إيران)، ذلك البيشمركة الأرغوشي الذي كان معنا وتركناه ميتاً في كهف بـ (جبل بيرمكرون)، كان قد وصل إلى (إيران) وتعافى، لكنني لم أسأله حتى الآن كيف عاد.

 كنا في (سارداو)، قال الرئيس "سنذهب إلى (بغداد)"، قلت للرئيس "إذا ذهبت يا سيدي إلى (بغداد) فليعطوكم (تاتكه) أيضاً لتأكلوها معاً"، ضحك الرئيس كثيراً. 

ذهب الرئيس إلى (بغداد) وعدت أنا إلى (إيران) وحتى عام ١٩٩٢ وللمشاركة في (الانتخابات) عدت مع عائلتي وأطفالي إلى جنوب كردستان وبعد الانتخابات عدت إلى (إيران) وفي عام ١٩٩٣ عدت نهائياً إلى جنوب كردستان. وفي الحرب الأهلية بين (الاتحاد والحزب الديمقراطي) أيضاً كقوة مساندة مع الفرع ١٠ كنا موجودين في كل مكان كانت فيه حرب وهجوم. والآن أحلت على التقاعد برتبة (عميد) وأسكن في منزلي في حي (بارزان-سوران).   

مقابلة: سيروان محمود